مقدمة:
تعد الصناعة الطاقية من بين أسرع الصناعات نمواً على مستوى العالم. بدأ التوجه المبني على اعتماد المعدات مفتوحة المصدر يشق طريقه تدريجيًا في المجال الطاقي، غير أن المشاريع الطاقية الكبرى لا تزال متحفظة جدًا هذا النهج على مستوى التشغيل الصناعي الكامل. ومع ذلك، هناك مشاريع سابقة وحقيقية استخدمت مبادئ ومكوّنات مفتوحة المصدر بدرجات متفاوتة، وشكّلت مختبرًا واقعيًا لما يمكن أن يصبح تيارًا رئيسيًا في المستقبل. السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو ما إذا كانت هذه المعدات قادرة فعليًا على تلبية المتطلبات الصارمة للمشاريع الطاقية الضخمة، أم أنها ستبقى حبيسة المختبرات والمشاريع الصغيرة.
المعدات مفتوحة المصدر:

يمكن شرح المعدات مفتوحة المصدر بكونها أي عملية بناء أو نشر تصاميم و مواصفات لمعدات صناعية كالأنظمة المدمجة، المعالجات، أنظمة التحكم أو بروتوكولات الاتصال بحيث تسمح للعموم بحق التعديل، الدراسة أو التوزيع. يمكن اعتبار ملفات التصميم، لوائح المكونات، تعليمات التصنيع، أو البرمجيات مفتوحة المصدر إذا تحققت فيه الشروط.
تتمثل هذه الفلسفة في أن مختلف الأشخاص، من الخبراء التقنيين والمصمِّمين وحتى المستخدمين النهائيين، يمكنهم المساعدة في إيجاد حل مشترك لمشكلة ما. يمكن أن يوفِّر مجتمع المطورين وجهات نظر مختلفة تضيف قيمة كبيرة إلى الحل المقترح، ويتم مشاركة هذه المقترحات بشكل أكثر انفتاحًا حتى تتمكن الفكرة من الاستمرار في التحسن. ما يعني أنه في حين أن جهود البحث والتطوير التقليدية التي تقودها الشركات تتطلب موارد بشرية ومالية وتقنية ضخمة. فإن معظم هذه الجهود تكون قد استثمرت بالفعل من قبل المجتمع التقنيِّ.
إن التوجه لهذا السبيل يفتح المزيد من الفرص لإيجاد حلول تقنية من العديد من الجهات الفاعلة. على الرغم من أنه في السابق، كانت مختبرات الأبحاث أو الشركات الضخمة هي الوحيدة التي يمكنها تقديم خدمة أو منتج لحل مشاكل مختلفة تتعلق بالانتاج الطاقي و التوصيل الكهربائي، إلا أن هناك الآن جيشًا متناميًا من المصنعين والمصممِّين والمهندسين الذين لديهم شغف كبير بالتعلم والمشاركة واستخدام تقنيات التصنيع الرقمي والذين يمكنهم أيضًا المشاركة في ابتكار حلول مبتكرة.
يُتيح الابتكار والتصميم مفتوح المصدر مزيدًا من القوة للمستخدم النهائي لدفع عجلة التغيير، ويُعزِّز حل المشكلات بشكل لامركزي، ويجعلان المستفيدين جهات فاعلة مسؤولة من خلال تشجيع الإبداع.
مالذي قد يجعل الشركات تتجه نحو المعدات مفتوحة المصدر؟

يعتمد نجاح عملية التحول من الطاقة الأحفورية إلى الطاقة النظيفة على توفر قوة عاملة دولية ماهرة. توفر الأجهزة مفتوحة المصدر طريقة منخفضة التكلفة وقابلة للتطوير لتدريب التقنيِّين، خاصة في المجتمعات النامية.
خفض التكاليف:
يتحدى مبدأ المعدات مفتوحة المصدر نمادج الشركات التقليدية التي تقوم بتقييد الوصول للتصاميم و الوثائق المفصلة للأنظمة. بحيث تتيح عملية اتاحة الوصول لتفاصيل النظام للمطورين في بناء أنظمة أكثر كفاءة و منخفضة التكلفة من خلال نشر ثقافة التعاون و الإبتكار.
من المزايا المهمة الأخرى لتطوير المعدات مفتوحة أن العديد من الموارد اللازمة لإنشاء منتج أو حل جديد تُشارك، وبالتالي تقل الحاجة إلى التمويل مقارنةً بتمويل البحث والتطوير التقليدي، الذي غالبًا ما يتطلب استثمارات ضخمة من رؤوس الأموال لضمان براءات الاختراع وحقوق الملكية الفكرية، حتى في الابتكارات الصغيرة. انخفاض تكلفة التطوير والشفافية يعنيان إمكانية خفض التكلفة المالية على المستخدم النهائي.
البنيات المفتوحة والتطور المستمر:
غالبًا ما تعتمد وحدات التحكم التقليدية في تخزين الطاقة على أنظمة مغلقة المصدر، حيث يقوم المصنعون بحصر العملاء من خلال حواجز تقنية. لكن هذا يجعل أيضًا تحديثات النظام صعبة ويحد من التوسع الوظيفي.
تفتح المعدات مفتوحة المصدر الباب أمام الابتكار المحلي، في العديد من الدول، خصوصا في أفريقيا، يشكل هذا النمودج فرصة لبناء قدرات هندسية محلية بدل الإكتفاء باستيراد حلول جاهزة. عندما تمتلك الكفاءات المحلية فهما عميقا للتكنولوجيا، يصبح تطوير حلول ملائمة للواقع المحلي ممكناً، سواء من حيث التكلفة و ظروف التشغيل.
توافق بروتوكولات الإتصال:
في ميدان تخزين الطاقة، غالبًا ما تشكل أنظمة إدارة البطاريات (BMS)، أنظمة إدارة الطاقة (EMS) وأنظمة تحويل الطاقة (PCS) تفرعات في نوعية البيانات المستقبلة بسبب اختلافات البروتوكولات. يمكن لمنصات الحوسبة الصناعية مفتوحة المصدر، بفضل قدراتها على دعم البروتوكولات المتعددة، تفسير أكثر من 30 بروتوكولًا صناعيًا في وقت واحد، بما في ذلك MQTT و CoAP و DL/T 645، مما يتيح التكامل السلس لبيانات الأجهزة. يمكن أخد منصة ThingsBoard مفتوحة المصدر كمثال.
تجدر الإشارة إلى أن التناقض التام بين البرمجيات المغلقة والبرمجيات مفتوحة المصدر هو أيضًا ناجم عن نظرة محدودة. فالعديد من نماذج الترخيص المقبولة للبرمجيات مفتوحة المصدر مبنية على افتراض التعايش مع الحلول المغلقة. هذا النوع من التوافق يمثل نموذج أعمال مثيرًا للاهتمام، حيث تُحقق البرمجيات مفتوحة المصدر نقصا كبيراً في التكاليف حتى للشركات المعتمدة بشكل كلي على الحلول الاحتكارية. يُمكّن ذلك الشركات من التركيز على مزاياها التنافسية الفريدة، مع الاستفادة من الحلول مفتوحة المصدر في الخلفية.
أهم التحديات في قطاع الطاقة:
على الرغم من المزايا المذكورة، لا يزال الخوف من انخفاض القدرة التنافسية لهذه الحلول مفتوحة المصدر، تتطلب المشاريع الكبرى ضمانات أداء صارمة. ففي هذا المستوى لا يكفي أن تعمل المعدات فقط بل يجب أن تشتغيل بشكل مستقر لسنين عديدة. قد تؤدي العيوب في المعدات مفتوحة المصدر إلى تقليل مصداقية النظام الطاقي. إن دمج الحلول مفتوحة المصدر مع الانظمة الصناعية التقليدية يتطلب جهدا هندسياْ كبيرا لضمان الالتزام بالبروتوكولات و المعايير المعتمدة.
ومن ناحية أخرى، يُعد التفرع في المصدر خطرًا على مشاريع البرمجيات مفتوحة المصدر، لأنه يؤدي إلى انقسام دعم المجتمع و ظهور خطر المشاريع المهجورة في المشاريع مفتوحة المصدر. يمكن لاستراتيجيات إدارة المجتمع أن تقلل من خطر تفرع المشروع، لكنها لا تمنعه تمامًا.
تُستخدم المعدات التجارية في الطبقات الحرجة وتُوظف الحلول المفتوحة في الطبقات الثانوية، يسمح بالاستفادة من مزايا الانفتاح دون المخاطرة باستقرار المنظومة. هذا النهج يجب أن يُدعّم بطبقات اختبار قوية، سواء على مستوى المحاكاة أو عمليات اختبار معَّمقَة.
أهم المشاريع الحالية:
في قطاع الطاقة، المشاريع الكبرى التي تعتمد بشكل مباشر على معدات مفتوحة المصدر في البنية التشغيلية نفسها ما زالت قليلة نسبيًا. هناك عدد من المبادرات البارزة على مستويات مختلفة (من التصاميم الهندسية المفتوحة إلى أنظمة الإختبار) تُظهر كيف يمكن للمصادر المفتوحة أن تلعب دورًا في المشاريع الطاقية الكبيرة أو في بنية البحث والتطوير الداعم لهذه المشاريع:
في الحقيقة، عدد المشاريع الكبرى الواقعية التي تعتمد فعليًا على معدات مفتوحة المصدر (أجهزة/أنظمة مفتوحة المصدر تُشغّل منظومة طاقة كاملة وتُغذّي الشبكة) لا يزال محدودًا للغاية في السوق التجاري/العملي. أغلب المشاريع المفتوحة المصدر في الطاقة لا تتعدّى عادة مرحلة إثبات المفهوم أو الاختبار أو البحث، وليس تنفيذ محطة طاقة بنطاق صناعي بالكامل. لكن هناك نماذج سابقة بارزة تستحق الذكر لأنها استخدمت بنية مفتوحة المصدر في مكونات فعلية على الأقل أو نظمت مشروعًا طاقيًا حقيقيًا. على سبيل المثال :
- منصة اختبار مفتوحة للطاقة الشمسية الوصف (Open Solar Outdoors Test Field) : عبارة عن حقل اختبار متصل بالشبكة يراقب أداء وحدات الطاقة الشمسية ويجمع بيانات بيئية وإنتاجية تُنشر بشكل مفتوح للبحث والتطوير. هذا النظام لا يُمثل مشروعًا توليديًا ضخمًا بحد ذاته، لكنه يُشكل بنية بيانات مفتوحة يمكن للباحثين من الاستفادة منها لتحسين التصاميم وأنظمة التحكم.
مستقبل تبني المعدات مفتوحة المصدر في قطاع الطاقة:
بينما تتعامل أوروبا وآسيا مع شبكات كهرباء مشبعة ومعقّدة، تقف إفريقيا في موقع مختلف جذريًا : نقص في البنية التحتية، نمو ديمغرافي سريع، وحاجة ملحّة للطاقة أكثر من الحاجة إلى تعقيد تنظيمي. هذا الواقع يجعل القارة مرشّحًا طبيعيًا لاختبار نماذج طاقية جديدة، من بينها تبنّي المعدات مفتوحة المصدر. المشاريع الطاقية في إفريقيا تعاني من:
- تكاليف مرتفعة للمعدات الاحتكارية
- صعوبة الصيانة بسبب الاعتماد على المورد الخارجي
- عقود طويلة الأمد تُقيد القرار المحلي
المشاريع الطاقية الكبرى عالميًا ما زالت تعتمد بشكل شبه كامل على معدات مغلقة المصدر، ليس لأن البدائل المفتوحة غير قابلة للعمل، بل لأن التحكم، المسؤولية القانونية، وضمان الاستمرارية على مدى عقود عوامل تجعل المشغلين يفضّلون الحلول الاحتكارية. غير أن التجارب السابقة، أظهرت أن فتح التصميم والهندسة الأساسية ممكن، وأن الشفافية لا تعني بالضرورة فقدان الاعتمادية. هذه التجارب لم تتحول إلى محطات تجارية ضخمة، لكنها وضعت الأساس الفكري والتقني لنموذج مختلف.
يبرز المغرب هنا كنقطة وصل محتملة بين إفريقيا وأوروبا. بفضل استثماراته الكبرى في الطاقة الشمسية والريحية، وارتباطه بالشبكة الأوروبية، ووجود قاعدة هندسية محلية متنامية، يمكنه أن يلعب دور “مختبر صناعي منظم” لاختبار إدماج المعدات مفتوحة المصدر ضمن مشاريع طاقية كبيرة ولكن مضبوطة المخاطر. نجاح مثل هذا النموذج يمكن أن يُنقل لاحقًا إلى دول إفريقية أخرى بشروط محلية ملائمة، بدل استنساخ حلول أوروبية لا تناسب الواقع.

