تشكل إدارة الطاقة إحدى أبرز التحديات في تصميم أنظمة السيارات الحديثة، خصوصًا مع التوسع ال متسارع في اعتماد السيارات الهجينة. فالتكامل بين المحرك الكهربائي ومحرك الاحتراق الداخلي يتطلب خوارزميات متقدمة تضمن تقليل استهلاك الوقود وتحسين كفاءة استرجاع الطاقة. تم اعتماد البنية الكهربائية المزدوجة القائمة على نظامي 12V و48V كخطوة هندسية لتحقيق التوازن بين تغذية الأحمال التقليدية وتلبية متطلبات الخاصيات التي تحتاج إلى طاقة أكبر مثل أنظمة التكييف والمحركات المساعدة. تشير إحصائيات صناعية حديثة إلى أن ما يقارب 10% من السيارات الجديدة مجهزة بأنظمة 48V، أي ما يعادل حوالي 15 مليون مركبة سنويًا، مما يعكس التحول التدريجي نحو هذه الاستراتيجية باعتبارها خطوة انتقالية بين المركبات التقليدية والسيارات الكهربائية.
البنية التحتية الكهربائية للسيارات الهجينة

في ظل المعايير الجديدة و القيود المفروضة لخفض الانبعاثات الكربونية في الدول الأوروبية، اضافة إلى زيادة ادماج المكونات الكهربائية و الإلكترونية في نظام السيارات، وصلت الشبكة الكهربائية 12v المعتمدة في السيارات لحدودها القصوى.
لتجاوز هذه العائق، تستخدم معظم المركبات الهجينة الخفيفة (MHEV) نظامًا كهربائيًا بجهد 48 فولت كمعيار صناعي. يُعد نظام 48 فولت أقل تكلفةً وأكثر أمانًا وسهولةً في التنفيذ في أنظمة نقل الحركة الحالية. حيث تتميز بصغر حجمها وخفتها، مما يُقلل من تأثيرها على وزن المركبة ومساحتها الداخلية، كون استهلاك الوقود والأداء وتكلفة المركبات الكهربائية الهجينة يتأثر بشكل كبير ببنية نظام نقل الحركة و حجم البطارية. يتوقع أن 42% من مصنعي السيارات ذات فئة MHEV في أوروبا سيعتمدون نظام 48v كمعيار قياسي أو كخيار عملي في سنة 2026.
إضافة الى نظام البطارية، تتكون البينة التحتية من مجموعة من المكونات الأساسية :
- محول الطاقة DC/DC : جهاز إلكتروني وظيفته تحويل مستوى الجهد الكهربائي المستمر إلى مستوى آخر مع الحفاظ على طبيعة التيار المستمر (DC).
- مولد الطاقة (Starter-Generator): حوالي 68% من السيارات الهجينة تعتمد المولدات التحريكة ذات الحزام المدمج في نظامها التحريكي. يتميز هذا النظام بالقدرة على الجمع بين وظيفتين، تشغيل محرك الاحتراق الداخلي بسرعة وهدوء أكبر مقارنةً بالنظام التقليدي، و نظام التوليد الطاقي لشحن بطارية 48V (وأحيانًا 12V عبر محول التيار DC/DC). يتم توصيله بمحرك السيارة عبر حِزام بدلاً من الاتصال المباشر بالعمود المرفقي (Crankshaft)،
- وحدة التوزيع الطاقي (Power Distribution Unit): غالبا ماتوجد 5 وحدات لتوزيع الطاقة في السيارة حسب حجمها. تقوم هذه الأجهزة بتوصيل الطاقة الكهربائية لمختلف الأنظمة المدمجة في السيارة و تعديلها حسب الطلب…
يتم إدماج نظام الجهد العالي (48 فولت) مع نظام 12 فولت عبر محوّل التيار المستمر DC-DC 12V. يتيح هذا التكامل تشغيل نوعين مختلفين من الأحمال : تغذية الأحمال الثقيلة مثل أنظمة التكييف الهوائي (HVAC)، المضخات، أنظمة التعليق النشط في جهة، بينما يستمر نظام 12 فولت في تغذية الأحمال الإلكترونية الحساسة مثل الإضاءة، أنظمة الشبكات وأنظمة التحكم الإلكترونية، ووحدات المعلومات والترفيه. بفضل هذا الدمج، تستفيد السيارة من كفاءة أعلى في استهلاك الطاقة، تحسين الأداء الديناميكي، وتقليل الضغط على النظام الكهربائي.
استراتيجيات إدارة الطاقة

إن تعقيد البنية الكهربائية في السيارات الهجينة، خصوصًا مع وجود نظامي جهد مختلفين (12V و48V)، يجعل إدارة الطاقة عملية بالغة الأهمية للحفاظ على كفاءة التشغيل. فالتحدي الأساسي يكمن في كيفية توزيع الموارد الكهربائية المحدودة بين الأنظمة الالكترونية حسب الأولية، مع مراعاة ظروف القيادة المتغيرة باستمرار. لهذا الغرض، طوّرت شركات السيارات مجموعة من الاساليب و التقنيات التي تهدف إلى تحقيق التوازن بين الأداء، الكفاءة الطاقية، وتقليل الانبعاثات.
1. تخفيف الأحمال (Load Shedding)
تعتمد هذه الاستراتيجية على فصل أو إيقاف الأحمال غير الحرجة عند انخفاض مستوى إنتاج الطاقة في الشبكة الكهربائية. يقوم نظام التحكم المركزي بمراقبة الجهد و التيار بشكل مستمر، وعند حدوث انخفاض في طاقة البطارية أو زيادة في استهلاك النظام، يتم إعطاء أولوية للأحمال الأساسية مثل أنظمة التوجيه الكهربائي، الفرامل أو الإضاءة الأمامية. أما الأحمال الثناوية يتم فصلها كنظام تسخين المقاعد، أنظمة الترفيه، حتى المكيف في بعض الحالات. تكمن فائدة هذه الاستراتيجية في ضمان استمرارية تشغيل الأنظمة الحيوية.
2. شحن و تعديل الطاقة (Energy Balancing)

توازن الطاقة يعني توزيع الحمل الكهربائي بين شبكتي 12V و48V بشكل ديناميكي. يتم استخدام محولات DC/DC ثنائية الإتجاه كجسر بين النظامين، تمكِّن من نقل الطاقة من بطارية 48v إلى 12v عند الحاجة.
تتجلى أهمية خلق التوازن في منع تذبذبات الجهد التي قد تؤثر على عمل وحدات التحكم الإلكترونية الحساسة. وأيضا، الحفاظ على استقرار الأداء أثناء تغيرات الحمل المفاجئة (مثل تشغيل المكيف، أو إعادة تشغيل المحرك عبر نظام التوقف و الإنطلاق).
3. توليد الطاقة (Energy Generation)

تتأسس هذه الاستراتيجة بشكل أساسي على استعادة الطاقة الحركية أثناء الكبح أو عند انخفاض السرعة. أحد أشهر التقنيات المستعملة حاليا نجد نظام الكبح الاسترجاعي، حيث يتم استغلال الطاقة الميكانيكية الناتجة عن احتكاك العجلات و تحويليها إلى طاقة كهربائية من خلال المحرك التوليدي و المحول الكهربائي لتخزينها في بطارية 48V. تتميز نماذج سيارات أودي A6 و A8 بتوليد يصل إلى 12 كيلوواط من الطاقة أثناء الكبح.
غير أن الأمر يتطلب تطبيق خوارزميات لإدارة الحرارة الناتجة عن عمليات الشحن السريعة، و استخدام بطاريات ذات كثافة طاقية عالية تتحمل معدلات شحن/تفريغ متكررة.
4. الوضع الاقتصادي (Economic Mode)

بدأ تطوير الوضع الإقتصادي في سبعينيات القرن الماضي من قبل شركة تويوتا نظرا لارتفاع اسعار الوقود في تلك الفترة و مطالبات بابتكار وسائل الحفاظ على الطاقة و تقليل استهلاك الوقود في السيارات. ازداد انتشار الاعتماد على هذه الاستراتيجية في العقد الأول من القرن 21 بعد ادماجه مع نظام الدفع و النقل الحركي الأوتوماتيكي حتي أصبح يشكل أحد الأنظمة الأساسية في السيارات الحديثة.
من أهم خصائص الوضع الاقتصادي في السيارات الهجينة:
- الاعتماد على المولد التحريكي الكهربائي كنظام داعم لتقليل الحمل على المحرك الأساسي عند القيادة بسرعات منخفضة أو في حالات التوقف المؤقت، ينتج عن هذه العملية تقليل الاستهلاك بنسبة 15% حسب ظروف القيادة.
- دعم الأنظمة الكهربائية الثقيلة مثل المكيف والمضخات من خلال شبكة 48 فولت، دون التأثير على أداء المحرك الأساسي.
- تحسين استجابة العزم عند الانطلاق أو التسارع الخفيف بفضل المساعدة الفورية للمولد الكهربائي.
التوجهات المستقبلية لأنظمة الطاقة في السيارات الهجينة
اتجهت الأبحاث والصناعة نحو ابتكار حلول جديدة اعتمادا على دمج الذكاء الاصطناعي و محاولة توحيد البنية الكهربائية عند 48 فولت في السيارات المستقبلية، من بينها أهم هذه التطورات :
– دمج الذكاء الاصطناعي في إستراتيجيات إدارة الطاقة:
مع تعقّد الأحمال الكهربائية وتزايد عدد وحدات التحكم (ECUs) في المركبات، لم تعد الاستراتيجيات التقليدية كافية لإدارة استهلاك الطاقة بكفاءة. يساهم الذكاء الاصطناعي (AI)، وخاصة تقنيات التعلّم الآلي (Machine Learning)، في تطوير تقنيات متقدمة مثل:
- التنبؤ بالاستهلاك الطاقي وفقًا لأنماط القيادة وحالة الطريق.
- تحسين الكفاءة عبر ضبط ديناميكي لاستراتيجيات تخفيف الأحملا و التعديل الطاقي.
- تخصيص إدارة البطارية بحيث تتكيف مع حالة الاستخدام الفعلية للحفاظ على عمرها الافتراضي.
أطلقت شركة Toyota و BMW مشاريع بحثية تعتمد على الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بحالات البطارية وتحسين استراتيجيات الكبح المتجدد، حيث استطاعت بعضها بتطوير خوارزميات تتيح تحسين كفاءة استرجاع الطاقة بنسبة تزيد عن 10%.
– بنية 48V موحدة تغطي جميع الأحمال في السيارة:
في الوقت الحالي، تعتمد معظم السيارات الهجينة على بنية مزدوجة: شبكة 12V لتشغيل الأحمال التقليدية (مثل الإضاءة، وحدات التحكم)، وشبكة 48V للأحمال العالية (مثل التوجيه الكهربائي والضواغط). لكن هناك توجه صناعي واضح نحو توحيد الجهد عند 48V بحيث:
- إلغاء الاعتماد على شبكة 12V تدريجيًا مما يبسط التصميم ويقلل من التعقيد.
- تحسين كفاءة توزيع الطاقة عبر إزالة الحاجة إلى محولات DC/DC بين النظامين.
- تمكين أحمال أكثر تطورًا مثل التوربو الكهربائي (eTurbo) وأنظمة القيادة الذاتية التي تحتاج إلى طاقة مستقرة وعالية.
قامت شركة Valeo بالاعلان عن حلول متكاملة يمكنها تشغيل جميع الأحمال بما فيها أنظمة التحكم الأساسية من خلال بطارية 48V فقط، كما توجد دراسات من Fraunhofer IISB أشارت إلى أن توحيد شبكة 48V يمكن أن يساهم في رفع الكفاءة الكلية للنظام الكهربائي للسيارة بنسبة تصل إلى 8%.
خاتمة
يمثل الجمع بين أنظمة 12V و أنظمة 48V نقلة نوعية في إدارة الطاقة داخل السيارات الهجينة. فمن خلال استراتيجيات إدارة الطاقة، يمكن تحقيق أداء أعلى مع تقليل استهلاك الوقود و الإنبعاثات. إن التحديات التقنية و الاقتصادية الجالية لا تنفي جقيقة أن أنظمة 48V أصبحت جزءا لا يتجزأ من مستقبل صناعة السيارات، ما يستدعي مزيذا من البحث و التطوير لزيادة موثوقيتها و انتشارها عالميا.

