تُعد البطاريات من أبرز مكونات السيارات الكهربائية، إذ تمثل ما بين 20% إلى 30% من تكلفتها الإجمالية. تعتمد معظمها على أنظمة 400 فولت نظرا لإستقرارها الحراري و فعاليتها في تزويد الطاقة الازمة لتشغيل المحركات الكهربائية دون حدوث أعطاب كثيرة. في جهة أخرى، بدأت تفرض بنية الجهد العالي 800 فولت نفسها في قطاع السيارات، كما هو الحال في سيارات مثل Porsche Taycan، Hyundai IONIQ 5، وحتى Tesla Cybertruck.
هذه البنية الجديدة تعد بشحن أسرع، حرارة أقل، وكفاءة طاقية أعلى، لكنها تأتي بتعقيدات تقنية مكلفة. فهل نحن فعلاً أمام ثورة في بنية الدفع الكهربائي؟ أم مجرد تحسن تدريجي؟ هذا ما سنناقشه في هذا المقال عبر مقارنة تقنية شاملة بين النظامين.
لماذا الاعتماد على بنية 400 فولت؟

يتكون نظام 400 فولت المدمج في السيارات الكهربائية من محرك الكهربائي، عاكس التيار، أنظمة الحماية، بطارية عالية الجهد و محول التيار المباشر. هذه المكونات تشكل البنية التحريكية لهذه السيارات. يقوم هذا النظام الكهربائي بإدارة مهام تخزين الطاقة في البطارية و انتقالها إلى المحرك الكهربائي. إذا نظرنا الي البطارية العالية الجهد، فإنها تتكون من عدد كبير من خلايا بطارية الليثيوم التي تعرف بأداءها و موثوقيتها مقارنة مع أنواع أخرى من البطاريات .
يمكن حاليا لمحطات الشحن السريع التي تدعم نظام 400 فولت أن توفر قدرة تصل إلى 250 كيلوواط، وهو ما يسمح بشحن سريع نسبيًا لمعظم السيارات الكهربائية في السوق. هذا كافٍ لمعظم المستخدمين، خاصة في الاستخدامات الحضرية أو المتوسطة المدى.
على المستوى الصناعي، أغلب عمليات التصنيع و سلاسل التوريد تم بناءها و تطويرها في جميع أنحاء العالم لدعم و تصدير مكونات أنظمة 400 فولت في السيارات و بالتالي وفرة المكونات، تكلفة أقل في التصنيع و سهولة في الصيانة.
دواعي الانتقال الى 800 فولت ؟

مع تطور تقنيات المركبات الكهربائية وازدياد الطلب على الأداء العالي وسرعة الشحن، بدأت بعض الشركات الرائدة في الصناعة بالتوجه نحو بنية كهربائية جديدة تعتمد على نظام 800 فولت بدلًا من النظام التقليدي ذي 400 فولت. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل تدفعه دوافع تقنية واقتصادية متعددة.
إذا اعتمدنا على مفهوم القدرة الكهربائية الأتي : ( القدرة = التيار x الجهد ) فإن استخدام نظام 800 فولت بدل 400 فولت يسمح بخفض التيار الكهربائي للنصف، مما يتيح الاعتماد على كابلات أقل ثقلا و مكونات إلكترونية تدعم التيار المنخفض و تساعد على تقليل فقدان الطاقة من الحرارة المنبعثة.
من أهم اسباب إنخفاض سرعة الشحن بعد بلوغ 80% من سعة البطارية هو عدم تحمل بطاريات 400V للتراكم المستمر للحرارة المنبعثة من محطات الشحن المباشر لمدة طويلة. لحل هذا المشكل، قامت أخر الأبحاث باقتراح تصاميم مبتكرة لتوصيل حزم بطاريات 800 فولت بحيث تسمح بمرور تيار منخفض لكن بجهد عالي، معززا بذلك كفاءتها الحرارية.
بالإضافة إلى ذلك، يتيح الرفع من الجهد المستعمل في النظام الكهربائي للسيارات تعزيز طاقة الشحن الممكنة للضعف دون الحاجة للرفع من التيار. و بالتالي توفير سرعة أكبر في الشحن لكن هذا يتطلب معدات إلكترونية إضافية تستحمل مستويات عالية الجهد أي ارتفاع التكلفة الاجمالية للسيارة بنسبة تقربية تصل إلى 20%. إمكانية توصيل طاقة عالية للمحرك الكهربائي بهدف تحقيق تسارع عالي أثناء القيادة.
من التحديات الرئيسية عند الانتقال إلى جهد أعلى هو إيجاد مكونات إلكترونية تتحمل هذا الجهد دون خسائر كبيرة. وهنا يأتي دور تقنية كربيد السيليكون (SiC)، حيث توفر ما يصل إلى 80% من خسائر التبديل مقارنة بالسيليكون التقليدي. كما تتحمل درجات حرارة أعلى و تقلل من الحاجة إلى أنظمة تبريد معقدة، مما يعزز من الكفاءة الكلية لنظام البطارية.
مقاربة بين أنظمة 400 فولت و 800 فولت
أن البنية الأساسية للنظام لا تختلف جذريًا عن نظام 400 فولت الشائع حاليًا. ففي جوهره، لا يزال النظام يتكون من نفس العناصر الأساسية مثل محرك الدفع الكهربائي، وحدة التحكم، وحزمة البطاريات. ولكن هناك اختلافات جوهرية تُحدث فارقًا حقيقيًا في الأداء والتكامل مع البنية التحتية للشحن. من أبرزها : هو إدماج محول كهربائي إضافي (DC-DC converter)، يُستخدم خصيصًا لضمان التوافق مع محطات الشحن التقليدية التي تعمل ضمن نطاق 400 فولت أو أقل.
بالإضافة إلى ذلك، في نظام 800 فولت، غالبًا ما يتم اعتماد بطاريات تتكون من عدد خلايا أكبر أو خلايا مرتبة بطريقة مختلفة، تتيح الوصول إلى ذلك الجهد العالي دون المساس بالكثافة الطاقية أو الأمان. هذا التغيير يتطلب إعادة تصميم جزئي لمنظومة إدارة البطارية BMS بحيث تكون قادرة على التعامل مع مستويات جهد أعلى وتحقيق التوازن بين الخلايا بكفاءة أعلى.
لإنشاء بنية تحريكية تعتمد على جهد 800 فولت، من الضروري ترقية كل مكوّن في النظام الكهربائي ليكون متوافقاً مع 800 فولت، بما في ذلك خلايا البطارية والمحركات الإلكترونية والعاكس والشحن بالإضافة إلى الأنظمة المناخية والحرارية. بالرغم من أن أجهزة الحماية الكهربائية عالية الجهد مثل IGBT أو MOSFET تعتبر مكلفة للغاية مقارنة بالمكونات الأخرى. لهذا، من أجل تحقيق التوازن بين تكلفة السيارة و كفاءة القيادة. يتم تحفيز مصنعي المعدات الأصلية بالاحتفاظ ببعض الأجزاء التي تعمل بجهد 400V في أنظمة الدفع الكهربائي.
تجدر الإشارة إلى أن مجموعة من المصنعين الصينيين و الكوريين في الوقت الحالي أصبحوا يعتمدون على بنية 800V في السيارات عالية الكفاءة نظرا لكونها توفر تجربة افضل في الشحن السريع بواسطة التيار المباشر. بمعنى أن سرعة أكبر في الشحن و منحنيات جهد اكثر استقرارا. لكن يوجد لحد الأن عدد قليل من السيارات التي تستعمل هذه البنية التشغيلية. كما محطات الشحن الموجودة في اوروبا و الولايات المتحدة الامريكية لا زالت غير مدعومة لهذا المستوى من الجهد.
مالذي يقف أمام تطوير بنية 800 فولت في أنظمة الدفع الكهربائي ؟
لايمكن للسيارات الكهربائية الحالية أن تتحول لنظام 800V فقط بتبديل بعض الاجزاء . هذا الإنتقال تحتاج لإعادة هندسة و صياغة كاملة للمنظومة الكهربائية للسيارة. هذا ما يجعلها من أكبر العوائق التي تحول دون استثمار واسع النطاق في هذه التكنولوجيا.
من زاوية أخرى، يتطلب تحديث أو حتى استبدال محطات الشحن الكهربائي الحالية لدعم 800 فولت استثمارات مالية ضخمة. حيث إن توصيل الطاقة بهذا الجهد يمكن أن يخلق ضغطا كبيرا في الشبكات الكهربائية المحلية. إذا لم تتم مرافقة محطات الشحن السريع بتوسيع موازٍ في البنية التحتية للطاقة. لتمكين هذا التحول، لا بد من تعبئة موارد ضخمة من كل من:
-
- القطاع الخاص (شركات تصنيع السيارات، موردي القطع الكهربائية…)
- القطاع العام (الحكومات، و البلديات، مزودو الطاقة)
إلا أن في العديد من الدول أو المناطق ذات الموارد المحدودة أو التي بدأت مؤخرًا في تبني السيارات الكهربائية، يُعتبر الاستثمار في بنية 800 فولت أمرًا مبكرًا وغير مبرر اقتصاديًا في الوقت الحالي، خاصة عندما لا تزال بنية 400 فولت قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للسوق.
خاتمة
باختصار، في ظل التسارع الهائل في تبني السيارات الكهربائية، تمثل بنية 800 فولت خطوة استراتيجية نحو تحسين الكفاءة، تقليل أوقات الشحن، وتحسين الأداء الحراري لمنظومات الدفع الكهربائي. ورغم ما توفره من مزايا تقنية واضحة، فإنها لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالتكلفة، التوافق مع البنية التحتية الحالية، وتعقيدات التصنيع. من الواضح أن هذه التقنية ليست حلاً شاملاً بعد، بل خيارًا واعدًا موجهًا حاليًا للسيارات المتقدمة أو عالية الأداء.
حتى تتحول هذه التقنية إلى معيار سائد، يجب معالجة هذه التحديات بشكل تدريجي، من خلال حلول هجينة، دعم حكومي موجه، وتبني استراتيجي في الأسواق القادرة على الاستثمار في البنية التحتية للطاقة والنقل الكهربائي. في الوقت الحالي، تشكل بنية 400 فولت العمود الفقري لصناعة المركبات الكهربائية بفضل استقرارها وتكلفتها المعقولة.

