في ظل النمو المتسارع للمتطلبات الطاقية و استهلاك الكهرباء في الصناعات، بات من الواضح أن الشبكات الكهربائية، رغم استقرارها المادي، اصبحت عاجزة على استيعاب التغيرات الطاقية و تلبية متطلبات الأمان و الاستجابة بفعالية لتحديات الحاضر و المستقبل. ما لم يعزز بقدر كافي من وسائل المراقبة و الاتصال الرقمي.
في مواجهة هذه التحديات، ظهرات تكنولوجيات حديثة تعزز من تكوين شبكات كهربائية من الجيل الذكي لتكون حل العبور إلى نظام طاقي اكثر مرونة. تهدف هذه المقالة الى القيام بتحليل شامل حول البنية التحتية الحالية للشبكات الكهربائية، وتتبع مسار تطورها التكنولوجي، ورصد الاتجاهات المستقبلية لهذه الشبكات.
المكونات الأساسية للشبكات الكهربائية

تقوم الشبكة الكهربائية التقليدية على أربع ركائز أساسية مترابطة تشكّل البنية التحتية لنقل وتوزيع الطاقة، حيث يعمل كل مكون منها ضمن سلسلة متكاملة تضمن استمرارية التزويد و الاستجابة لاحتياجات مختلف البنى التحتية المدنية و الصناعية.
1. محطات التوليد
يتم تولّيد الكهرباء من مصادر متنوعة مثل الوقود الأحفوري كالفحم، الغاز الطبيعي أو حتى الطاقة النووية مثل ما تفعل بعض الدول الاوروبية. يتم تحويل أنتاج الكهرباء عبر مولدات دوّارة ضخمة تقوم تحويل الطاقة الميكانيكية أو الحرارية الى طاقة كهربائية و تمريرها الى محطات تحويل مركزية مخصصة للنقل . تتواجد هذه المولدات غالبا خارج المجال الحضري، وتحديدًا في مناطق مفتوحة مثل السواحل أو ضواحي المدن الكبرى. فالقرب من السواحل يتيح سهولة الوصول إلى مياه التبريد الضرورية لمحطات التوليد الحرارية، كما يسهّل عمليات شحن ونقل الوقود المستورد عبر الموانئ.
2. خطوط النقل
تتميز المحطات التقليدية بتوليد طاقة مركزي ذات اتجاه واحد من محطات التوليد إلى المستهلكين عبر خطوط نقل هوائية مصممة بدقة لنقل الطاقة الكهربائية لمسافات طويلة من أجل تقليل فقدان الطاقة و الحفاظ على استقرارية الشبكة.
يتم تركيب محطات النقل (Substations) في نقاط مختلفة من خطوط النقل و التي بذاتها تحتوي على محولات زيادة أو خفض الجهد حسب متطلبات التوزيع أو احتياجات الربط بين الشبكات المختلفة . تشمل هذه المحولات مجموعة من المعدات والأنظمة التي تهدف إلى حماية المحطة و خطوط النقل من الأعطال الكهربائية أو الظروف التشغيلية غير الطبيعية، مع تقليل زمن الانقطاع. كما يتم ادماج مكثفات خاصة لتعويض التفاعل الكهربائي وتحسين جودة الطاقة. تعتمد هذه المحطات على مبدأ الحماية الطبقية حيت يتم تشغيل أنظمة حماية احتياطية في حال تعرض جهاز حماية ما للفشل اثناء التشغيل.
3. خطوط التوزيع
لم تشهد شبكات التوزيع خلال العقود الماضية تطورًا كبيرًا مقارنةً بشبكات النقل، إذ لا تزال وظيفتها الأساسية تتمثل في نقل الطاقة الكهربائية من محطات التحويل النهائية إلى البنى التحتية بمستوى جهد منخفض أو متوسط، وذلك عبر خطوط هوائية مدعومة بأعمدة أو عبر كابلات أرضية لتلبية احتياجات الاستخدام الصناعي، التجاري، والمنزلي، مع مراعاة معايير السلامة.
4. أنظمة التحكم و الحماية الكهربائية
لضمان استمرارية تشغيل الشبكة، يتم اعتماد مجموعة من أنظمة الحماية الكهربائية كالأتي:
- معدات الحماية الميكانيكية : تشمل مجموعة من المكونات كقواطع التيار، مفاتيح العزل ومحدادات التيار التي تقوم بحماية الأجزاء المختلفة من الشبكة من الصواعق و زيادة الجهد المفاجئة، كما نجد أنظمة الربط بالأرض التي تقوم بتفريغ التيارات الغير المستقرة إلى الأرض وتقليل مخاطر الصعق الكهربائية.
- الحماية الرقمية عن بعد : عبارة عن منظومات حماية متقدمة تعتمد على محوّلات التيار (CT) ومحوّلات الجهد (VT) لقياس القيم الكهربائية بدقة، إلى جانب مستشعرات لحظية قادرة على اكتشاف التغيرات المفاجئة في التيار أو الجهد. تُرسل هذه البيانات إلى دوائر حماية رقمية مخصصة بتحليل الإشارات فورًا واتخاذ قرار الفصل الانتقائي للقاطع الكهربائي المناسب من أجل عزل الجزء المتأثر من الشبكة.
- التحكم المركزي عبر نظام SCADA : يتم اعتماده في مراقبة الشبكة الكهربائية وإدارتها عن بعد، حيث تقوم بجمع البيانات التشغيلية من مختلف نقاط الشبكة ونقلها إلى مركز تحكم رئيسي، ما يتيح للتقنيين و المهندسين الإشراف المستمر على الأداء، تشخيص الأعطال، أوتنفيذ أوامر التحكم عن بُعد.
تتميّز عمليات شبكات الكهرباء التقليدية بالبساطة النسبية، إذ يُمكن حساب احتياجات الطاقة الاجمالية وتوزيعها على النحو الأمثل لتلبية متطلبات البنى التحتية. ونظرًا لتنوع مراكز الأحمال، كان متوسط الحمل للمناطق المتمركزة في المدينة قابلًا للتنبؤ به بسهولة، وكان مستقرًا نسبيًا عند حساب متوسطه، وبالتالي، حقق مفهوم توليد الطاقة بالحمل الأساسي” فوائد اقتصادية كبيرة لجميع المستهلكين.لكن لم تخلو الشبكات الكهربائية التقليدية من مشاكل كبيرة فهي تفتقر إلى الأجهزة الذكية وآليات الرصد اللحظي. ما يستدعي تدخل الإنسان بشكل مباشر سواء في إصلاح الأعطال أو محاولة التنبؤ بها، و بالتالي انخفاض كفاءة التشغيل وضعف قدرة الشبكة على الاستجابة الديناميكية و السريعة للتغيرات الطاقية.
تطورات الشبكات الحديثة
بفضل الثورة الصناعية الرابعة، شهدت الشبكات الكهربائية نقلة نوعية في بنيتها ووظائفها، حيث ساهمت التكنولوجيات الحديثة في إدماج أنظمة قائمة على البيانات وشبكات الاتصال الذكية. فقد أصبحت إنترنت الأشياء (IoT) عنصرًا أساسيًا لتمكين المراقبة اللحظية للأحمال والمعدات، بينما تتيح تقنيات الحوسبة السحابية والمنصات الرقمية تحليل كميات ضخمة من البيانات التشغيلية في الزمن الفعلي. هذه التحولات مجتمعة جعلت من الشبكة الكهربائية نظامًا أكثر تكيفا و مرونية.
5. المستشعرات الذكية والتوصيلات

ابتكرت وحدات القياس الطورية المتزامية (PMU) من طرف الدكتوران Arun G. Phadke وJames S. Thorp في عام 1988 في جامعة فيرجينا التقنية. تتميز هذه الوجدات بقدرتها على حساب المتّجهات الكهربائية بوقتٍ متزامن ودقة عالية. ظهرت أول النماذح سنة 1922 و بحلول عام 2012، تم اعتمادها كوسيلة في أنظمة القياس واسعة النطاق (WAMS) على المستوى الوطني في الصين.
من جهة أخرى، تشكل الكابلات فائقة التوصيل (HVDC) أبرز تطورات التوصيل الكهربائي، حيت تم انجاز أول خط انتاجي من هذا النوع في سنة 2008 في نيويورك. و تم تعزيزه في سنة 2018 من خلال نتائج بحثية تمت بتعاون أوروبي حول خطوط فائقة التوصيل قادرة على نقل 3 جيجاوات من الطاقة. تهدف هذه التقنية الى تقلّيل فقدان الطاقة على خطوط النقل ذات الكثافة العالية داخل المدن.
حاليا، يتم اعتمادها فقط مشاريع تجريبية/استراتيجية كممرات نقل طاقة عالي الكثافة عبر الموانئ أو نقطة وصل لمحطة طاقة ضخمة بالمدينة حيث المساحة محدودة والقيمة الاقتصادية عالية. كما أن تكاليف التبريد والصيانة تجعلها خيارًا تخصصيًا فقط لحد الساعة.
6. الاتصالات والبروتوكولات
ظهرت الشبكات المعرفة برمجيا SDN كحل اساسي لفصل التحكم عن طبقة البيانات و منح تحكّم مركزي لسياسات التوجيه والأمن. يسهّل ذلك دمج مئات آلاف العدادات الذكية، أجهزة PMU، وقياسات SCADA ضمن منصة واحدة قابلة للبرمجة. ظهرت أول استخدامات SDN الفعلية في شبكات مركزية خاصة مثل Nicira عام 2010، وشبكة Google B4 في 2012. حاليا، يتم القيام مراجعات شاملة حول تطبيق SDN في شبكات الطاقة الذكية ضمن المقالات الأكاديمية والتقنية.
تُمكّن أنظمة الاتصالات المتقدمة مثل PLC وG3-PLC من نقل البيانات عبر الشبكة الكهربائية في حين تُستخدم بروتوكولات DNP3 و IEC 61850 المخصصة لأنظمة SCADA في التشفير القوي والتوثيق متعدد العوامل للاتصالات بعيدًا عن بروتوكولات قديمة وغير محمية مثل Modbus.
7. أنظمة الإدارة والمراقبة
- نظام إدارة التوزيع (DMS) : يوفر هذا النظام قدرة على التحكم الفوري و الديناميكي في تدفق الطاقة عبر شبكة التوزيع، مع تحديد مواقع الأعطال بدقة عالية و تقليل زمن الاستجابة.تستخدم شركات Schneider Electric و Siemens هذه الأنظمة في المدن لإعادة تكوين الشبكة تلقائيًا وتقليل الانقطاعات الكهربائية أثناء أعمال الصيانة أو التحميل الزائد.
- نظام إدارة الطاقة (EMS) : يتيح النظام مراقبة شاملة لأداء الشبكة الكهربائية في الزمن الحقيقي، مع تحليل البيانات في تحقيق الاستقرار الديناميكي للشبكة من خلال إدارة الحمل و توليد الطاقة، و الربط الذكي بين مصادر الطاقة المتجددة و التقليدية. تعتمد شركات الطاقة في الولايات المتحدة وأوروبا تكنولوجيا EMS لدمج مصادر الطاقة المتجددة وإدارة الطلب على الكهرباء أثناء فترات الذروة، ما يضمن استقرار الشبكة.
- أنظمة مراقبة جودة الطاقة : تجمع هذه الأنظمة بين أجهزة الاستشعار المتقدمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل الأخطاء و الانحرافات في الجهد، التيار و التردد. من خلال هذا التكامل، يمكن التقليل من التأثير السلبي للأعطاب على المعدات و البنيات التحتية لضمان التزام الشبكة بمعايير جودة الطاقة الدولية. تم اعتماد أول تطبيق لهذه الأنطمة من قبل الشبكات الصناعية في اليابان عبر أجهزة استشعار عالية الدقة (Power Quality Monitors)، حيت تم تركيبها في نقاط إستراتيجية من الشبكة لقياس الجهد و التردد بدقة عالية. كما يساهم في رصد اي انحراف طفيف عن القيم المعيارية بشكل أني.
8. تخزين الطاقة الكهربائية

مع تطور التكنولوجيات المعتمدة في البطاريات، تم ابتكار تقنيات حديثة لتخزين الطاقة الفائضة في الشبكات الكهربائية و الاستعانة يها في أوقات الحاجة. من ابرز هذه التقنيات:
- الطاقة الكهربائية القابلة للتبادل (Transactive Energy) : تعتبر من التقنيات الحديثة لإدارة الطاقة تقوم على مبدأ التفاعل الاقتصادي بين منتجي و مستهلكي الكهرباء و تحديد أسعار الطاقة في الزمن الحقيقي وفق العرض و الطلب. تمكن المستخدمين من حقن فائض انتاجهم من الطاقة المتجددة الى الشبكة مقابل تعويض مالي محسوب. في الولايات المتحدة الامريكية، تم اختبار شبكات محلية تتيح للمنازل المزودة بالألواح الشمسية بالمزايدة على بيع فائض الكهرباء مباشرة إلى المستخدمين القريبين عبر منصة رقمية مخصصة. من جهة أخرى، يوجد نظام Feed-in Tariff في دولة ألمانيا الذي يضمن سعراً ثابتاً للطاقة الكهربائية التي يحقنها أصحاب المنازل إلى الشبكة، ما يشجع انتشار الطاقة الشمسية على نطاق واسع.
- الطاقة الكهرومغناطيسية الفائقة (SMES) : تستخدم هذه الألية لتخزين الطاقة في مجال مغناطيسي ينشأ بواسطة تيار كهربائي في خط فائق التوصيل. تم اجراء تطبيق عملي لتقنية SMES في المناطق الصناعية الثفيلة باليابان. حيت أشار بحث Shigeo Nagaya وزملاؤه إلى تنفيذ اختبارات ميدانية ساهمت في دعم استقرار الجهد عند حدوث انخفاضات فورية في التيار. وقد نجحت جميع العمليات تقريبًا في العمل بعد التشغيل الميداني منذ عام 2012. تستخدم تكنولوحيا SMES لملء الفراغ بين “إصلاح بعد العطل” و”الاستجابة الفورية للمشاكل”، فتتصرف كمستودع طاقة قادر على الاستجابة فائقة السرعة لتغيرات الطلب أو الانخفاضات الفجائية.
- التخزين بالبطاريات (Lithium-ion) : تعتمد هذه التقنية على بنوك خاصة لتخزين الطاقة يتم شحنها عند انخفاض الطلب و تفريغها في اوقات الذروة. كانت شركة Tesla اول السباقين لهذه الانظمة.في أستراليا، تم تجهيز مشروع Hornsdale Power Reserve باستثمار يناهز 400 مليون دولار. قد أسهم هذا المشروع في تحقيق وفورات تتجاوز 120 مليون دولار سنوياً من الإنتاج الطاقي، إضافةً إلى دوره في موازنة الأحمال والتصدي لحالات الانقطاع المفاجئ.
9. تقنيات التحكم بالقدرة

أغلب الدراسات و الأبحاث العلمية تركزت في ابتكار حلول فعالة للتحكم في القدرة الكهربائية، من بين هذه الحلول نجد تقنية Smart Wires التي صممت باستخدام جهاز التحكم المتقدم بمسار الطاقة (APFC) المنشق من أنظمة نقل التيار المرن. هذه الأجهزة تعتمد على الكترونيات متقدمة كمحولات الجهد لحقن جهد كهربائي محسوب في الشبكة بهدف بتوجيه الكهرباء بين خطوط النقل لتفادي الضغط على الخطوط. تتميز هذه الحلول بتركيب سريع في أسابيع، كما تقبل توسعة مرنة حسب الحاجة فيمكن للشركات البدأ بعدد محدود من و تعزيزها مع الوقت لتفادي الاستثمار الضخم دفعة واحدة. بالإضافة إلى ذلك، تسمح هذه التقنية باستغلال خطوط النقل الحالية دون الحاجة الى إنشاء بنية تحتية ضخمة مما يعزز من القدرة الاستعابية للشبكة.
مسار التطور الحالي
يمكن تلخيص مسار التطور الحالي للشبكات الكهربائية في كونه انتقالًا استراتيجيًا من نموذج أحادي الاتجاه إلى بيئة ثنائية الاتجاه، حيث يصبح المستهلك جزءًا فاعلًا في عملية إنتاج وإدارة الطاقة. يواكب هذا التحول زخم استثماري متسارع في مجالات الشبكات المصغرة (Microgrids)، وتقنيات التخزين المتطورة. وفي الوقت ذاته، يبرز الأمن السيبراني كأحد الركائز الجوهرية لضمان حماية هذه البنية الرقمية المعقدة من التهديدات المتنامية. إن مستقبل الشبكات الكهربائية سيتحدد بقدرتها على تحقيق هذا التوازن بين الابتكار التكنولوجي والضمانات الأمنية، بما يرسخ استدامة وموثوقية إمدادات الطاقة في العقود المقبلة.

