على الرغم من تعدد استخدامات المعالجات التقليدية في مختلف الأنظمة الحاسوبية، إلا أنها تواجه ضغوطًا متزايدة في ظل طبيعة العمليات المتوازية لخوارزميات الذكاء الاصطناعي. فالمعالجات المركزية، بتصميمها التتابعي، ووحدات معالجة الرسوميات، رغم تنوعها، لا تلبي احتياجات العمليات الرياضية المعقدة وأنماط الوصول المكثفة للذاكرة. في هذا السياق، تشكل رقاقات الذكاء الاصطناعي نقلة نوعية عن طريق إتاحة قوة حوسبية هائلة قادرة على معالجة العمليات المعقدة و الضخمة خصوصا في تطبيقات التعلم الألي.
ما هي رقاقات الذكاء الاصطناعي المدمجة؟

في بداية القرن 21، كانت عمليات الذكاء الاصطناعي تعتمد على وحدات المعالجة المركزية (CPU)، التي يعرفها معظمنا في الاجهزة الالكترونية. غير أن تطور و تعقيد تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تستلزم معالجة بيانات ضخمة بشكل متوازي، برزت وحدات المعالجة الرسومية (GPU) التي أوجدت في الاصل لتحسين اظهار الرسومات. فأخد تطورا كبيرا في تصميمها حتى وصلت لمستوى التعامل مع مهام التعلم الآلي وتحليل البيانات الضخمة.
في ظل تطور البحوث في المجال، تم تطوير نمودج جديد من الرقائق تسمى وحدات المعالجة العصبية (NPU). تعتبر الجيل الأحدث من المعالجات المصممة لمحاكاة عمل الدماغ البشري. تعمل NPUs على تعزيز كفاءة خوارزميات التعلم العميق عن طريق معالجة كميات كبيرة من البيانات في وقت واحد و تسهيل تدريب نمادج الذكاء الاصطناعي مما يمنحها تفوقًا على كلٍّ من وحدات CPU وGPU.
في الوقت الحالي، نجد أن أكثر المستخدمين لهذه الرقاقة هي شركات الخدمات السحابية التي تدار من قبل الشركات الضخمة ك Amazon و Microsoft. كما نرى أن رقائق شركة NVIDIA تشكل المحرك الاساسي وراء أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة مثل ChatGPT، و Claude.ai…
إلى جانب اللاعبين الراسخين، تشارك العديد من الشركات الناشئة والمؤسسات البحثية بنشاط في تطوير هندسات مبتكرة لرقائق الذكاء الاصطناعي. تضيف هذه الجهات رؤى جديدة وأفكارًا ثورية إلى السوق، مما يساهم في تنوع وديناميكية هذه المنظومة.
المزايا التقنية لمعالجات AI
يعود تفوق معالجات الذكاء الاصطناعي إلى مجموعة من العوامل الأساسية كقدرتها تشغيل المليارات من العمليات الحسابية في أن واحد، مما يقلّص بشكل كبير زمن تدريب نماذج التعلم الآلي مقارنة بالمعالجات التقليدية,بالاضافة الى ذلك، نجد من بين ميزاتها:
- توزيع المهام عبر ألاف النوى : تأتي هذه الرقائق بوحدات خاصة تواكب العمليات الرياضية المعقدة كحسابات الشبكة العصبية أو معالجة المصفوفات الضخمة بتوزيع هذه العمليات عبر العديد من الاجزاء و تنفيذها بشكل متزامن.
- تحسين هيكلة الذاكرة : عن طريق توفير سعة عالية ووصول فعال للذاكرة للتعامل مع المهام المكثفة دون حدوث اختناقات أو تباطئ في الأداء.
- تدعيم الحسابات منخفضة الدقة : تم تصميم هذه المعالجات خصيصًا لتطبيقات التعلم الآلي عن طريق السماح للرقاقة بأن تكون أكثر فعالية مع انخفاض الدقة الحسابية، مما يعني أنها تتطلب عددًا أقل من الترانزستورات لكل عملية. ولهذا السبب، يمكننا ضخ المزيد من العمليات في الثانية في السيليكون، واستخدام نماذج تعلم آلي أكثر تطورًا وقوة وتطبيق هذه النماذج بسرعة أكبر، حتى يحصل المستخدمون على نتائج أكثر ذكاءً وبسرعة أكبر.
تطبيقات الرقاقة الذكية

تلعب رقاقات الذكاء الاصطناعي دورًا حيويًا في دفع عجلة الابتكار عبر مختلف الصناعات، بفضل قدرتها على معالجة البيانات بسرعة غير مسبوقة واتخاذ القرارات في أجزاء من الثانية. إليك بعض الأمثلة البارزة على تأثيرها:
- تساهم الرقاقات الذكية في تحليل التحاليل الطبية والمواد الكيميائية، مثل الكشف عن المخدرات أو المؤشرات الحيوية للأمراض النادرة، مما يرفع سرعة اكتشاف الحالات المعقدة بنسبة تصل إلى 40%
- تعمل المستشعرات المدعومة برقائق AI على تحليل البيئة المحيطة بالمركبة في أجزاء من الثانية. حيث تستطيع أنظمة تجنب الاصطدام اتخاذ قرار الفرملة أو تغيير المسار اسرع من استجابة الانسان بمراحل.
- يمكن استخدام هذه الشرائح في تحسين مراقبة أداء المعدات والتنبؤ بالأعطال في المصانع وشبكات الطاقة قبل حدوثها، مما يقلل من التوقف المفاجئ للمعدات وتوفير ملايين الدولارات سنويًا.
لا تقتصر مزايا هذه الوحدات على الأداء فقط، بل تمتد أيضًا إلى توفير الطاقة بشكل كبير، حيث تقلل هذه الوحدات استهلاك الطاقة في حسابات الشبكة العصبية بنحو 1000 مرة مقارنة بالمعالجات التقليدية. بالاضافة الى ذلك، توفر المعالجات دورات الحوسبة المتكررة، مما يخفض تكاليف التبريد بما يقارب 30% الى 50% في محطات البيانات.
التحديات المرتقبة
رغم الإمكانات الهائلة التي توفرها الرقاقات الذكية في تسريع عمليات الذكاء الاصطناعي وتحسين كفاءتها، إن هناك عقبات تقنية واستراتيجية تحتاج إلى حلول مبتكرة. إليك أبرزها:
- متطلبات جودة البيانات : تدريب هذه النماذج المتقدمة يتطلب حجم ضخم من البيانات الواقعية المؤكدة. فبدون بيانات عالية الجودة، قد تصبح قرارات الذكاء الاصطناعي غير دقيقة أو حتى مضللة.
- القيود البيئية و الحرارية : في معظم الاحيان، تواجه شرائح 5 نانومتر الحذيثة ثأتيرات حرارية غير طبيعية، مما يتطلب الاعتماد على مواد جديدة.
- العوامل الجيوسياسة : تمثل سلاسل التوريد تحديًا استراتيجيًا، حيث يتم تصنيع 89% من المعالِجات الذكية بواسطة مصانع TSMC التايوانية و Samsung الكورية. بينما تركز الشركات الأمريكية والأوروبية على تصميم المعالجات، إلا أنها تعتمد في الإنتاج بشكل شبه كامل على شرق آسيا، مما يخلق مخاطر كبيرة في حال حدوث أزمات جيوسياسية أو اضطرابات في سلاسل التوريد.
يتوقع وصول قيمة أسواق رقاقات الذكاء الاصطناعي إلى 450 مليار دولار في مجال البحث وتطوير شبه الموصِلات. مع ظهور اختراعات كالشبكات العصبية البصرية و الواجهات البيوحوسبية التي يتوقع منها أن تغير مفهوم قدرات الانظمة الالكترونية.

