كيف يُمكِن تحسين أداء محولات الإشارة عن طريق التشويش؟؟

تعتمد الأجهزة الإلكترونية بشكل متزايد على محولات الإشارة الخطية – الرقمية من أجل ترجمة الإشارات القادمة من المستشعرات إلى بيانات رقمية قابلة للمعالجة. غير أن هذه الإشارات غالبًا ما تكون عرضة لتشويشات متعددة قد تُفقدها دقتها وتؤثر سلبًا على اتخاذ القرار داخل النظام. من هنا، تبرز أهمية فهم آليات التشويش والتقنيات المستخدمة للتخفيف من آثارها، وهو ما سنتطرق إليه بشيء من التفصيل في هذا المقال.

لمحة تقنية على محولات الاشارة الخطية – الرقمية

يعتبر محول الاشارة من أهم المكونات الإلكترونية في الأنظمة الكهربائية الحديثة  المستمرة في الزمن والقيمة، مثل إشارات الحرارة، الصوت… دون هذا التحويل، لا يمكن للأنظمة الرقمية تفسير البيانات القادمة من المحيط الفيزيائي. ينبني محول الاشارة على 3 خطوات :

  • يتم أخذ عينات من الإشارة الخطية في كل فترة زمنية ثابتة تسمى “زمن العينـنة” (Sampling Time).
  • يتم تحويل كل عينة إلى قيمة عددية محددة بناءً على مستوى الدقة الذي يوفره الـ ADC، وهو ما يعرف بعدد الـ Bits المستخدم في التشفير.
  • يتم تمثيل القيمة الرقمية لكل عينة في شكل سلسلة من الأرقام الثنائية (Bits) يمكن للمعالج التعامل معها.

علمية تكميم الاشارة

التشويشات في الانظمة الكهربائية و الإلكترونية

التشويش هو أي إشارة غير مرغوب فيها تتداخل مع الإشارة الأصلية في نظام كهربائي أو إلكتروني، وتؤدي إلى تشويهها أو تغيير قيمتها أو محتواها. ينتج التشويش غالبًا عن مصادر خارجية أو داخلية، وقد يؤدي إلى فقدان جزئي أو كلي للمعلومة المضمنة داخل الإشارة، مما يُضعف من موثوقية أداء النظام.
في الأنظمة الرقمية، مثل التي تعتمد على محولات الإشارة الخطية-الرقمية (ADC)، وجود التشويش قد يعني قراءة خاطئة لقيمة الجهد، وبالتالي حصول خطأ في القرارات التي تتخذها الدوائر المنطقية أو المعالجات.

تُصنف مصادر التشويش في الأنظمة الكهربائية والإلكترونية إلى داخلية وخارجية، حيث تشمل الداخلية الضوضاء الحرارية الناتجة عن حركة الإلكترونات في المكونات، وضوضاء التبديل التي تنتج عن تبديل الترانزستورات بسرعة عالية، وضوضاء الترانزستور الشائعة في المكبرات ومصادر الجهد المرجعي. أما المصادر الخارجية فتشمل الإشعاعات الكهرومغناطيسية من الأجهزة اللاسلكية والمحركات، والحث من خطوط الجهد العالي، والضربات الكهربائية الناتجة عن تشغيل الأجهزة، بالإضافة إلى الظروف البيئية القاسية والمعدات الصناعية الثقيلة.
هذه التشويشات تؤثر بشكل مباشر على الإشارة الرقمية، فتؤدي إلى انخفاض دقتها وظهور أخطاء في النتائج، مما قد يسبب قراءات غير صحيحة في أنظمة القياس أو قرارات خاطئة في التحكم، كما قد تؤثر على استقرار الأنظمة من خلال خلق تذبذبات أو استجابات غير متوقعة قد تهدد سلامة الأداء العام.

عندما تتعرض الإشارة الرقمية لتشويش، فإن قيم العينات الناتجة عن محول الإشارة (ADC) قد لا تعكس الواقع الحقيقي للإشارة التناظرية الأصلية، مما يؤدي إلى تمثيل خاطئ للمعلومة. هذا الخلل قد يكون بسيطًا وغير ملحوظ، أو قد يكون حادًا لدرجة يُفقد معها النظام قدرته على اتخاذ قرارات صحيحة. من بين هذه التأثيرات:

  • انخفاض دقة الإشارة الرقمية : عندما يُرسل الـ ADC إشارة رقمية مبنية على إشارة مشوشة، فإن القيمة الناتجة لا تعكس بدقة القيمة الحقيقية. في أنظمة القياس والتحكم، هذا يعني قرارات غير دقيقة أو استجابات غير مناسبة.
  • ظهور أخطاء في القياسات والنتائج : مثلا، في نظام قياس حرارة صناعي يعتمد على حساس موصول إلى متحكم، قد تُفسر الضوضاء على أنها ارتفاع حاد في الحرارة، ما يؤدي إلى تفعيل نظم تبريد أو إنذارات كاذبة.
  • التأثير على استقرار الأنظمة الكهربائية والإلكترونية : في أنظمة التحكم المغلقة (Closed-Loop Systems)، وجود إشارات مشوشة قد يُحدث تذبذبات غير مرغوبة، أو يؤدي إلى سلوك غير متوقع للنظام (مثل عمل مرحلات خاطئة، أو انقطاع في التغذية)

أشهر تقنيات التعامل مع التشويشات

بعد فهم مصادر التشويشات وتأثيرها السلبي على الإشارات الرقمية، يصبح من الضروري البحث عن حلول عملية وفعالة للحد من هذه التأثيرات وضمان دقة واستقرار الأنظمة الإلكترونية. التعامل مع التشويش ليس خيارًا ثانوياً، بل هو جزء أساسي من تصميم أي نظام يعتمد على الإشارات.

تختلف استراتيجيات مواجهة التشويشات حسب طبيعة النظام ونوع الإشارات المتداولة فيه. في بعض الحالات، يمكن تقليل التشويش من خلال تحسين التصميم المادي للدوائر، بينما في حالات أخرى، قد يكون من الضروري اعتماد تقنيات معالجة رقمية للإشارات بعد التقاطها.

من أجل التقليل من تأثير التشويشات على الأنظمة الكهربائية والإلكترونية، طوّر المهندسون عدة تقنيات فعالة تجمع بين الحلول الفيزيائية والإلكترونية والبرمجية. تختلف هذه التقنيات باختلاف بيئة العمل ونوع الإشارات، لكن الهدف المشترك بينها هو حماية سلامة الإشارة وضمان دقة المعالجة.

  • أحد هذه الحلول تتمثل في المعالجات الفيزيائية، كالعزل الكهربائي بين الدوائر الحساسة ومصادر التشويش، وتغليف الدوائر المعدنية باستخدام دروع معدنية (Shielding) لعزل الموجات الكهرومغناطيسيةو خفض التداخل المتبادل بين الإشارات.
  • أما من الجانب الإلكتروني، فيتم استخدام مرشحات تماثلية (Analog Filters) مبنية على مكونات مثل المقاومات، المكثفات، والملفات من أجل السماح لترددات معينة بالدخول ورفض الأخرى. تُستخدم مرشحات تمرير منخفض (Low-Pass Filters) لتقليل الضوضاء القادمة من مصادر الترددات العالية أو غير المرغوب فيها.
  • وأخيرًا، تستند الأنظمة الحديثة على تقنيات برمجية متقدمة لمعالجة الإشارات بعد تحويلها رقمياً، مثل خوارزميات الفلترة الرقمية (Digital Filtering)، تقنيات موازنة الإشارة (Signal Averaging) أو إزالة الضوضاء باستخدام تحويل فورييه أو المويجات (Wavelet Transform). هذه الحلول الرقمية تتيح تصحيح أو تخفيف التشويش حتى بعد وقوعه، مما يزيد من موثوقية النظام في البيئات المعقدة.

الاستعانة بالتشويش لتحسين أداء الأنظمة الالكترونية

هل التشويش هو شيء يجب علينا دائما تجنبه ؟ ليس دائما. في الحقيقة، يمكن حقن تشويش متحكم فيه في الاشارة المدخلة لأجل تخفيف معامل التخالفي اللاخطي و تعزيز المجال الديناميكي لمحول الإشارة.

خذ مثلًا معامل SFDR، الذي يُقاس كنسبة بين الإشارة المفيدة والتشويشات غير المرغوبة. حين تصبح التشويشات متداخلة مع الإشارة، تنخفض هذه النسبة. الحل؟ استخدام تقنية Dithering. حيث يُضاف تشويش بسيط في النظام، لكنه مدروس، ليُوزع التشويش الكمي ويُخفف من حدة المعامل اللاخطي في الاشارة.

إن إضافة كمية صغيرة من التشويش يساعد في نشر و تفرقة التشويشات الكمية و بالتالي تقليل ارتباطه مع الإشارة الاصلية ومنه رفع مستوى معامل SFDR. يعد هذا الامر مهما عندما تكون هذه الإشارة مضاعف للتردد العيني. حيث تنخفض  فيه مستوى SFDR.

قد يؤدي حقن مكونات مشوشة اكثر من اللازم  إلى انخفاض في نسبة الإشارة إلى الضوضاء SNR (Signal to Noise Ratio). من أجل تجنب ذلك، يمكن اعتماد طريقتين أساسيتين :

  •  أولهما استعمال مولد ارقام عشوائية لانتاج  Dithering. حيث تضاف هده البيانات الى مدخلات ADC عبر محول DAC. يتم عزل هذا التشويش من مخرجات ADC لاستعادة مستوى SNR اعتيادي (مستوى الاشارة مع التشويش).
  • من جهة أخرى، يمكن توليد هذا التشويش خارج نطاق الترددات المهمة لتخفيف أثارها على معامل SNR.

الآن دعنا ننتقل إلى العمليات الأساسية في التحويل الرقمي: التعيين والتكميم. في التعيين، تُنتزع العيّنات من مواقع محددة على الاشارة الخطية. قد يبدو أن الكثير من المعلومات يتم اهمالها في هذه العملية، لكن نظرية التعيين تضمن استعادة الإشارة بالكامل، بشرط أن نأخذ عينات بسرعة تعادل ضعف أعلى تردد فيها. وأخيرًا، نصل إلى فرق الجهد بين الإشارة الحقيقية والإشارة الرقمية، أو ما يُعرف بـ “فرق التكميم”. وهو جوهر ما نحاول التعامل معه عبر Dithering. فالتشويش الذي يتم حقنه ليس لتخريب الإشارة، بل لتصحيحها.

رغم التطور الكبير في تقنيات معالجة التشويشات، لا تزال التحديات قائمة، خصوصًا مع تعقّد الأنظمة وتزايد كثافة و تعقيد الإشارات المرسلة. من هنا، تبرز الحاجة لمزيد من البحث في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي في معالجة الإشارات، أو اتخاد تصاميم تكيّفية للمرشحات الرقمية. يبقى الوعي بمخاطر التشويش وفهم طرق التعامل معه أحد أهم الأسس لبناء أنظمة كهربائية وإلكترونية فعالة ومستقرة في مختلف التطبيقات.