ثأثير مجال التعلُّم المعزز على تطوير الانظمة الكهربائية

منذ بداية ظهور تطبيق ChatGBT للعموم، أصبح الذكاء الاصطناعي (AI) المفهوم الأكثر تداولًا في مختلف المجالات التقنية والهندسية في الوقت الحالي. شكل هذا الأمر مفترقا واضحا يتجلى في ضرورة تبني هذه التكنولوجيا في اسرع وقت و في مختلف القطاعات. و منه، ضاعف الباحثون و الخبراء في ميدان الأنظمة الكهربائية إلى استثمار أكبر قدر من مجهودهم في استكشاف طرق توظيف الذكاء الاصطناعي بشكل عملي على أرض الواقع.

و مع ظهور مفهوم التعلم المعزَّز (Reinforcement Learning)، برزت إمكانيات واعدة لحلِّ بعض الصعوبات التي تواجهها أنظمة التحكم الكهربائية، خصوصًا مع تزايد حجم البيانات الناتجة عن هذه الأنظمة و ارتفاع مستوى تعقيد بعض العمليات التشغيلية.

ماهو مصطلح التعلم المعزز ؟

الصورة 1 – فروع التعلم الألي

التعلم المعزَّز هو جزء من خوارزميات التعلم الألي والتي تندرج ضمن مجال الذكاء الاصطناعي. بمعنى أخر، هي عملية تدريب ديناميكية تعتمد على تفاعل بين الوكيل (Agent) و البيئة (Environment). يقوم الوكيل بتنفيذ اجراءات محددة حسب طبيعة البيئة المحيطة به وفق هدف محدد، ثُمَّ يتلقَّى إما مكافآت أو عقوبات بناءً على مدى اقترابه من الهدف المطلوب. ومن خلال تكرار هذه العملية، يتعلَّم النظام السياسة الأفضل (Optimal Policy) التي تمكنِّه من تحقيق أفضل أداء ممكن.

ما هي القيمة المضافة لاعتماد هذه التقنيات؟

من خلال اعتماد خوارزميات الذكاء الاصطناعي، يمكن استغلال البيانات الضخمة المستقطبة من مختلف الأجهزة الالكترونية و أنظمة الحماية الكهربائية بهدف بناء نماذج ذكية قادرة على محاكاة الشبكة الكهربائية، تعزيز عملية التصنيع، من بين هذه الأمثلة:

  • يمكِن للروبوتات الصناعية أن تطوّر مستوى من التحكم الذاتي الذكي عبر التعلم المعزز، بحيث تتخذ قرارات دقيقة في بيئة ديناميكية دون الحاجة إلى إعادة برمجة النظام.

كيف يعمل التعلم المعزز؟

قبل ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي، اعتمد المهندسون في بناء أنظمة التحكم التقليدية على حلقات تغذية عكسية (Feedback Loops)، حيث تُقاس متغيرات النظام وتُقارن بالقيم المرجوة لتصحيح الانحرفات بواسطة معالجات مدمجة وبرمجيات معدّلة يدويًا حسب رؤية المهندس وطبيعة النظام.

من جهة أخرى، عند تبنِّي التعلم المعزَّز، فالمفهوم مختلف جذريًا، يوجد وكيل ذكي (Agent) يقوم باتخاذ قرارات بشكل أني بناءً على نظام مكافأة (Reward System). ينبني النظام على التجربة التفاعلية بدلاً من النمذجة الثابتة. إذ يقوم الوكيل باتخاذ قرارات وفقًا لسياسة معينة، ثم يقوم بتحديثها تدريجيًا بناءً على المكافآت المتحصلة.مع كل تجربة، يتعلم الوكيل ما إذا كان تصرفه ناجحًا أم لا، ويحسن سلوكه تدريجيًا للوصول إلى الأداء الأمثل

هناك نوعان من هذه الخوارزميات:

  • خوارزمية التعلم المعزز بدون نموذج مسبق : يتفاعل الوكيل مباشرة مع البيئة دون امتلاك أي معرفة مسبقة عن ديناميكيتها الداخلية. يُبنى التعلم فقط من خلال الخبرة الواقعية التي يكتسبها النظام أثناء التجربة. بعد تنفيذ كل فعل (Action)، يحصل الوكيل على مكافأة ويُحدّث سياسته بناءً على النتيجة. بسيط من حيث التصميم، لكنه يحتاج إلى عدد كبير من التجارب للوصول إلى سياسة مثالية. هذ النوع مناسب للأنظمة التي يصعب فيها تمثيل السلوك الداخلي بدقة. يتعلم من التجارب الواقعية فقط — دقة أقل في البداية، لكن دون الحاجة لأي نموذج.
  • خوارزمية التعلم المعزز النمودجي : تعتمد هذه الخوارزميات على نموذج رياضي أو محاكاة رقمية للنظام (Model) تحاول تمثيل سلوك البيئة الفعلية. يستفيد الوكيل من هذا النموذج لتوليد تجارب مُحاكاة (Simulated Experience) بالإضافة إلى الخبرة الحقيقية، مما يُقلّل من الحاجة للتجارب المكلفة ميدانيًا.تتطلب وقتًا أكبر لبناء النموذج الأولي، لكنها أسرع في عملية التعلم الفعلي. تُتيح إمكانية التنبؤ بسلوك النظام قبل تنفيذ الأوامر فعليًا.مناسبة للأنظمة الحساسة التي يكون فيها التفاعل المباشر مكلفًا أو خطيرًا.
الصورة 2 – الفرق بين نمادج التعلم المعزَّز

تعتمد عملية بناء خوارزمية التعلم المعزَّز لأنظمة التحكم الصناعي على خمس مراحل رئيسية تشكّل مسارًا منهجيًا متكاملاً للتطوير.

  • فهم البيئة و النظام : إعداد محاكاة رقمية للنظام تمثل البيئة الديناميكية للنظام
  • التوصل الى نظام المكافأة: صياغة خوارزمية مكافأة تعكس الهدف المطلوب بدقة
  • تحديد سياسة الخوارزمية (Policy) : عن طريق تحديد بنية الشبكات العصبية المناسبة في عملية التدريب
  • تدريب نموذج الذكاء الاصطناعي : تحسين أداء الوكيل عبر ألاف التجارب و المحاكاة
  • اطلاق النموذج مع مواكبة عمليات التحقق (Deployement) : دمج النمودج في بيئة العمل الفعلية مع مراقبة النتائج وتحذيثه عند الحاجة.

يمكن تصنيف آلية عمل خوارزميات التعلم المعزَّز إلى استراتيجيتين رئيسيتين تحددان منهجية التفاعل مع البيئة واكتساب الخبرة.

  • سياسة انتهازية : عن طريق تتبع الخطوات التي أثبتت نجاجها في الماضي لتحقيق مكافأت مؤكدة. تعتمد هذه الاستراتيجية على الاستفادة من الخبرات السابقة التي اكتسبها الوكيل (Agent) خلال عملية التعلم. بمعنى آخر، عندما يتعرف النظام على سلسلة الخطوات التي أدّت في الماضي إلى مكافآت مرتفعة، فإنه يميل إلى تكرار نفس الأفعال في المواقف المماثلة من أجل تعظيم المكافأة الفورية. غير أن الافراط في هذا المسار يحدّ من قدرة النظام على التطور والتكيّف مع المواقف الجديدة،
  • سياسة الإسكتشاف : فخلاف انتهاز المكافأت الواضحة، يمكن ضبط الخوارزمية للبحث عن نطاقات اخرى قد تحقيق أداء أفضل على الرغم من امكانية تلقي عقوبات في المدى القصير. يؤدي الإفراط في الاستكشاف إلى تذبذب في الأداء العام للنظام لذلك، تُستخدم خوارزميات تنظيمية لتحقيق توازن تكيفي بين الاستكشاف وانتهاز المكافأت خلال مرحلة تدريب النمودج.

أهم التطبيقات العملية في المجال الهندسي:

الصورة 3 – التحكم الذاتي للروبوتات الصناعية

يمكن رصد العديد من التطبيقات العملية التي تُجسّد فعالية خوارزميات التعلّم المعزَّز في البيئات الصناعية الحقيقية، نذكر منها:

  • التبريد التكيفي لمقرات البيانات : تتكون مقرات البيانات من عدد هائل من الأجهزة الحوسبية التي تشتغل بشكل مستمر على مدار اليوم دون توقف لتزويد الخدمات السحابية للمستخدمين و الشركات. غير أنها تنتِج مستويات عالية من الحرارة قد ثؤتر بشكل سلبي على أداء المعدات الحوسبية على المدى الطويل. باستخدام خوارزميات التعلم المعزَّز، يمكِن تطوير أنظمة تكييف قادرة على ضبط استهلاك الطاقة وتوزيع التبريد تلقائيًا وفقًا للتغيرات الحرارية. فتواجد بنية تكييفة فعالة تعد من الضروريات لضمان استمرارية تشغيل هذه البنيات التحتية الحيوية.
  • تحسين استقرار الدرونات في الاوساط عالية الديناميكية : توجد العديد من الأبحاث حول خوارزميات التحكم بالطائرات المسيرة المبنية على المفاهيم الرياضية. غير أنَّ ما يجعل تقنيات التعلم المعزَز مختلفة عن غيرها من التقنيات هو امكانية تكييف مستوى تحكم الدرون و تحقيق استقرار كبير في ظروف شديدة التغير.
  • تعزيز التحكم التلقائي للربوتات الصناعية: يمكن خوارزميات التعلم المعزز الروبوتات من تنفيذ عمليات دقيقة ومعقدة دون الحاجة إلى إعادة البرمجة المستمرة.
    هذا يتيح تطوير خطوط إنتاج مرنة قادرة على التكيف مع تغيرات التصميم أو نوع المنتج
  • التحكم الذاتي في العمليات: تعزيز أنظمة التحكم التقليدية مثل PID بواسطة وكلاء التعلم المعزَّز. و تحسين استهلاك الطاقة داخل المصانع عبر تعلم سياسات تشغيل مثلى للمعدات، ربط التعلم المعزَّز بأنظمة إدارة الطاقة الذكية أو الشبكات الكهربائية الصناعية (Microgrids).

التحديات العملية للتعلُّم المعزَّز

يُعدّ الاستقرار التشغيلي من أهم الاعتبارات في الأنظمة الكهربائية، خصوصاً في شبكات الطاقة والتحكم الصناعي. غير أن خوارزميات التعلم المعزَّز بطبيعتها الديناميكية المعقدة وبحساسيتها العالية لأي تغيير في معاملات التشغيل، قد تُنتج سلوكيات غير متوقعة أثناء التدريب أو التشغيل، مِمَّا قد يؤدي إلى تقلُّبات خطيرة في الأداء. لذلك، فإن تحقيق التوازن داخل بيئة تشغيل حقيقية يتطلب آليات مراقبة صارمة لضمان عدم المساس باستمرارية الخدمة أو سلامة المعدات الكهربائية. تعتبر هذه التحديات الأتية  أهم أعمدة الأبحاث العِلمية الحالي في هذا المجال :

  • صعوبة بناء نموذج واقعي للنظام : نظرا للطبيعة المعقدَّة و الغير الخطية لهذه الأنظمة، يصعُب تمثيل جميع المتغيرات المؤثرة، مثل التشويش أو العوامل البيئية… من بين الحلول الممكنة نجد دمج أساليب التحكم التقليدية مع خوارميات التعلم المعزز في مايسمى بالتحكم الهجين.

 

  • محدودية إمكانية تعديل السياسة أثناء التشغيل : تعد عملية التحكم عبارة عن صندوق اسود غير مفهوم، و يعتمد بشكل اساسي على دقة النموذج الرقمي. من الصعب بناء نموذج عالي الدقة دون الأخد بالاعتبار عناصر التشويش في المحيط. فكون الأنظمة الصناعية تتطلب استقرارا تشغيليا عاليا، يجعل تحديث الخوارزميات أثناء العمل الفعلي عملية دقيقة تتطلب مراقبة متواصلة و محسوبة.

 

  • المخاطر التشغيلية في التجريب المباشر : يشكل استخدام مجموعات بيانات تاريخية واسعة لتدريب خوارزميات التعلم المعزَّز خيارًا فعّالًا في التطبيقات التي لا يمكن فيها المجازفة بالتجربة المباشرة، مثل أنظمة الصيانة التنبؤية والمنشآت الصناعية الحساسة. إذ يسمح هذا النهج باختبار السياسات المقترحة وتقييم أدائها في بيئة افتراضية قبل تطبيقها فعليًا، مما يقلل من الحاجة إلى فترات تدريب ميدانية طويلة ومكلفة. ومع ذلك، فإن الفجوة الإحصائية بين البيانات التاريخية والبيئة التشغيلية الفعلية و المعروفة بمشكلة اختلاف التوزيع (Distribution Shift) قد تُضعف من قدرة النموذج على التعميم والتكيّف مع الحالات الجديدة، وهو ما يتطلّب تطوير تقنيات تعلّم هجينة تجمع بين التدريب بالبيانات والمحاكاة الديناميكية للبيئة الواقعية.

 

  • تحديات البيانات و التكامل مع البنى القائمة : يتعتمد فعالية خوارزميات التعلم المعزز على توفر بيانات عالية الجودة تصف تفاعلات النظام بدقة. في المقابل، الأنظمة الكهربائية التقليدية لم تُصمم في الأصل لتوليد أو تخزين هذا الكم من البيانات، مما يجعل عملية التكامل بين البنية التحتية الحالية وتقنيات الذكاء الاصطناعي تحدياً حقيقياً. كما أن محدودية البيانات الميدانية في حالات التشغيل الحرجة تقلل من قدرة النموذج على التعلم الفعّال، ما يستدعي تطوير تقنيات التعلم بالمحاكاة وتوليد البيانات الاصطناعية لتوسيع نطاق التدريب.

يمثِّل التعلم المعزِّز تطورًا جوهريًا في مجال التحكم الصناعي والأنظمة الكهربائية، إذ يوفر إطارًا مرنًا للتعلم الذاتي والتكيف المستمر مع البيئات المتغيرة. فرغم التحديات المرتبطة بالنمذجة والتطبيق العملي فإن استثمار في هذا التوجه البحثي يعد خطوة أساسية نحو بناء أنظمة ذكية قادرة على الإدارة الذاتية وتحسين أدائها باستمرار.