في السنوات الأخيرة، لم يعد الذكاء الاصطناعي محصورًا داخل مراكز البيانات الضخمة أو المنصات السحابية المركزية. فقد بدأ يشق طريقه نحو الأنظمة الصناعية المعقدة. هذا التحول الجذري جاء نتيجة قفزة نوعية في تصميم الأجهزة الحوسبية وتطور نماذج التعلم الألي القادرة على العمل في بيئات محدودة الموارد من حيث الطاقة وقدرات المعالجة.
في هذه المقالة، سنغوص في عمق مفهوم الذكاء الاصطناعي المدمج (Embedded AI)، ونستعرض كيف يتم دمج الذكاء في قلب الأنظمة المدمجة، مع تسليط الضوء على أهم التطبيقات الصاعدة التي تعيد رسم ملامح المستقبل الصناعي والتقني.
ماهو الذكاء الاصطناعي المدمج ؟

وفقًا لتقرير سنوي لموقع Transforma Insights، يقدَّر أن يصل عدد الأجهزة المتصلة بشبكات IP حوالي 17.7 مليار جهاز بحلول نهاية 2026. هذه الاحصائيات تبرز الحاجة الماسة إلى حلول حوسبية مصغرة قادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات محليًا. فمعالجتها بشكل مركزي قد يربك البنية التحتية السحابية مما سيؤدي إلى زيادة التكاليف التشغيلية وانخفاض الكفاءة في الخدمات المعتمدة على هذه المنصات. هنا ظهر مفهوم الحوسبة الطرفية من قبل الباحثين للتعامل مع هذا التطور.
تعَّد الحوسبة الطرفية (Edge Computing) نموذج حوسبي يهدف إلى معالجة البيانات بالقرب من مصدر توليدها، بدلاً من إرسالها كلها إلى خوادم أو مراكز بيانات مركزية لمعالجتها. هذا التوجه جاء استجابة للتحديات الجديدة في عالم إنترنت الأشياء (IoT)، حيث تتولد كميات هائلة من البيانات بشكل لحظي من المستشعرات، ولا يمكن عمليًا إرسالها كلها إلى المنصات السحابية لمعالجتها إما بسبب قيود زمن الاستجابة والأمان أو ارتفاع مستويات استهلاك الطاقة. من خلال التعامل مع البيانات في الأجهزة عن قرب، يمكن للشركات الاستفادة من الإمكانات الكاملة لتقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في الوقت الفعلي في السيناريوهات التي قد يكون فيها أدنى تأخير في اتخاذ القرار له آثار كبيرة في مجال الأنظمة بالغة الحيوية في البنيات الصناعية، القيادة الذاتية أو التشخيص الطبي…
بشكل عام، يمكن تصنيف البنية الحوسبية التي تحتضن الذكاء الاصطناعي إلى ثلاث فئات رئيسية:
- الأنظمة المدمجة (Embedded Systems): تشمل المتحكمات الدقيقة (Microcontrollers) ووحدات الحوسبة منخفضة الطاقة كالتي التي تستعمل في البنيات التحتية الصناعية…
- الحواسيب المحلية (Edge/Local Computers): وهي أجهزة تمتلك قدرة معالجة متقدمة، تُستخدم في تطبيقات متوسطة إلى عالية الأداء مثل الروبوتات، الكاميرات الذكية، أو أنظمة المراقبة…
- المنصات السحابية (Cloud Platforms): هي بُنى تحتية إلكترونية متاحة عبر الإنترنت توفّر قدرات حوسبية، ومساحات تخزين، وقواعد بيانات. تستخدم في تدريب النماذج الذكية وتخزين البيانات الضخمة…
الذكاء الاصطناعي المدمج هو مجال متعدد التخصصات يجمع بين هندسة الأنظمة المدمجة وخوارزميات الذكاء الاصطناعي بهدف تطوير أجهزة قادرة على اتخاذ قرارات ذكية بشكل محلي دون الاعتماد المستمر على البنية التحتية السحابية.
بعبارة أخرى، هو دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل مكونات الأجهزة المادية (Hardware) مثل المتحكمات الدقيقة (MCUs)، المعالجات الرقمية للإشارة (DSPs)، ووحدات الحوسبة منخفضة الطاقة.
يمثل هذا المفهوم أحد أكثر الاتجاهات الواعدة في عالم الذكاء الاصطناعي الحديث، خصوصًا عندما نتحدث عن التطبيقات الموجهة للأجهزة محدودة الموارد مثل المتحكمات الدقيقة، الحواسيب الصناعية، أو الأنظمة المتصلة بالحساسات الذكية.
من خلال تطوير نماذج ذكاء اصطناعي على موارد محدودة جدًا من حيث القدرة الحسابية، والطاقة. يمكن للأجهزة تنفيذ مهام التحليل واتخاذ القرارات محليًا، مما يمنحها قدرات متقدمة مثل التعرّف على الأنماط، التنبؤ بالأعطال، والتحكم الذاتي دون الحاجة لاتصال دائم بالإنترنت.
القيمة المضافة وراء الذكاء الاصطناعي المدمج

عند الحديث عن الذكاء الاصطناعي المدمج (Embedded AI)، هناك ثلاث خصائص أساسية يجب تذكرها:
- الاندماج مع العتاد (Integration with Hardware) : يتم دمج خوارزميات الذكاء الاصطناعي مباشرة داخل مكونات الجهاز الالكترونية، وغالبًا ما تتطلب عملية تحسين دقيقة لتعمل بكفاءة ضمن موارد محدودة.
- وظائف مخصصة (Dedicated Functions) : قدرات الذكاء الاصطناعي تكون مصمَّمة لتطبيقات محددة، مثل التعرّف على الصوت في مكبرات الصوت الذكية، أو معالجة الصور في الكاميرات الذكية…
- موارد محدودة (Limited Resources) : الأنظمة المدمجة عادةً ما تواجه قيودًا في القدرة الحسابية والذاكرة واستهلاك الطاقة، مما يستدعي تصميمًا فعالًا وخفيفًا للنماذج والخوارزميات.
من أبرز الدوافع لاعتماد نماذج الذكاء الاصطناعي المدمجة في الأجهزة محدودة الموارد :
- تقليل الزمن الخامل (Latency): الناتج عن عمليات الاتصال المستمرة مع المنصات السحابية أثناء تنفيذ المهام الذكية.
في العديد من الأنظمة الحيوية أو الحساسة زمنياً – مثل تطبيقات المراقبة الصناعية، الروبوتات، أو الأنظمة الطبية – يُعد زمن الاستجابة السريع عاملاً حاسمًا. يعمل الذكاء الاصطناعي المدمج على إلغاء الحاجة إلى إرسال البيانات باستمرار إلى خوادم مركزية وانتظار معالجتها، مما يسمح بتنفيذ الأوامر واتخاذ القرارات محليًا وفي الزمن الحقيقي. - الاحتفاظ بالبيانات داخل الجهاز : من أجل تعزيز مستوى الأمان والخصوصية، إذ تقل احتمالية تسرب المعلومات أو تعرضها للاختراق أثناء النقل. كما أن تقليل إرسال البيانات الضخمة إلى السحابة يقلل من استهلاك النطاق الترددي (Bandwidth) ويحسن كفاءة التشغيل، خاصة في البيئات التي تعاني من ضعف الاتصال أو تذبذبه.
رغم أن هذه الأنظمة قادرة على العمل بشكل مستقل، إلا أن الاعتماد الجزئي على المنصات السحابية يبقى ضروريًا في مراحل إعادة تدريب النماذج وتحديثها، لضمان استمرار تطور الذكاء المحلي وتحسين دقته. بذلك، يتيح الذكاء الاصطناعي المدمج توازناً ذكياً بين السرعة، الأمان، والكفاءة في معالجة البيانات واتخاذ القرارات، مع مرونة اتصال اختيارية تضمن استقرار الأداء حتى في حال انقطاع الشبكة.
الاختلافات في بناء النماذج الذكية بين المنصات السحابية و الأجهزة المدمجة

تشير مصطلحات الذكاء الاصطناعي المدمج والحوسبة الطرفية إلى مفاهيم مترابطة ولكنها متميزة داخل مجال الذكاء الاصطناعي، ولكل منها تركيز محدد ومجالات تطبيق مختلفة. فجميعها تشترك في خاصية المعالجة الآنية أو شبه الآنية.
- الذكاء الاصطناعي المدمج (Embedded AI) : يتميز باستهدافه الأجهزة محدودة الموارد مثل وحدات التحكم الدقيقة (MCUs)، والتي لا يمكنها استخدام مكتبات ضخمة أو بنى تشغيل متقدمة. لذلك يتطلب هذا النوع من الذكاء الاصطناعي تضمين البرمجيات مباشرة داخل النظام باستخدام لغات منخفضة المستوى مثل C أو HDL.
- الذكاء الاصطناعي الطرفي (Edge AI) : يمكن اعتباره امتدادًا للذكاء الاصطناعي المدمج، لكنه يُنفذ على حواسيب صناعية تمتلك موارد حوسبة أكبر بكثير من الأنظمة المدمجة. هذه الأنظمة قادرة على تشغيل نماذج ذكاء اصطناعي أكثر تعقيدًا على مستوى الحافة (Edge)، أي بالقرب من مصدر البيانات.
يتضمن الذكاء الاصطناعي المدمج تفعيل النماذج الذكية في الأجهزة الاكترونية محدودة الموارد المزودَّة بالمكونات الأتية:
- وحدة الاستشعار: تستقطب البيانات من البيئة المحيطة (صوت، صورة، حرارة…)
- رقاقات المعالجة المدمجة: تشغيل خوارزميات الذكاء الاصطناعي دون الحاجة إلى الاتصال بخادم مركزي أو منصة سحابية.
- واجهات الاتصال: تتصل أحيانًا بشبكات أو منصات سحابية لتبادل المعلومات.
- وحدات التحكم و التشغيل: بناءً على نتائج الخوارزمية، تُتَّخذ الإجراءات أو القرارات مثل إرسال إنذارات للمستخدمين تغيير إعدادات النظام أو حتى تشغيل المحركات…
أتاحت التطورات في خوارزميات التعلم الآلي والتعلم العميق إطلاق هذه النماذح في بيئات محدودة الموارد نموذجية للأجهزة المدمجَة. لَعِبت مكتبات البرمجيات مفتوحة المصدر مثل TensorFlow Lite PyTorch Mobile و ONNX دورًا كبيرا في إتاحة الوصول إلى تقنية الذكاء الاصطناعي المدمج للمطوِّرين، مما مكنَّهم من تحويل نماذج مقعدة إلى تنسيقات مناسبةً لبيئات متعددَّة ملائمة للأجهزة الالكترونية.
تملك الأنظمة المدمَجة ذاكرة محدودة (أقل من 1Mbits) وقدرات معالَجة منخفضة يُستلزَم بموجبِها استخدام تقنيات برمجية متعددة بحيث تُدمج الخوارزميات داخل المكونات المادية للنظام. من بين أبرز التقنيات المستعملة في تحسين النظام :
- تصغير و ضعط النموذج: تقليل حجم النماذج العصبية عبر حذف الوصلات غير المهمة من أجل تخفيض عدد العمليات الرياضية المطلوبة لتشغيل النموذج دون التأثير على دقته بشكل كبير.
- التكميم: تحويل مستوى البيانات من دقة عالية (float32) إلى دقة أقل (int8) لتقليل استهلاك الذاكرة.
- تسريع مكونات المعالجة: استخدام وحدات متخصصة مثل وحدات معالجة رسومية مصغرة أو وحدات NPU داخل الجهاز لتحسين سرعة التحليل و تدفق البيانات.
ماهي القيود الحالية و الامكانيات المتاحة لهذه التكنولوجيا؟
على الرغم من أن تفعيل الذكاء الاصطناعي في الأجهزة المدمجة يمثل تحولاً جذرياً، إلا أنه يطرح مجموعة من التحديات التي يجب على المؤسسات التغلب عليها. ولكن كل تحدٍ يرافقه فرصة لابتكار حلول تعِدُ بتخفيف هذه العقبات، مما يمهد الطريق لمستقبل يمكن أن يصل فيه الذكاء الاصطناعي المدمج إلى كامل إمكاناته. من بين هذه التحديات:
- قيود الأجهزة المدمجة من حيث المكونات الالكترونية : والتي غالبًا ما تحتاج إلى مزيد من قوة المعالجة والذاكرة وموارد الطاقة. لمعالجة هذه المشكلة،أسهمت التقدم التقني في تكنولوجيا الرقائق في تطوير مسرعات الذكاء الاصطناعي المتخصصة ووحدات المعالجة المركزية منخفضة الطاقة قادرة على استضافة هذه خورزميات التعلم الألي و معالجتها بكفاءة.
- مشاكل الكفاءة الطاقة : تُعد الموازنة كفاءة و مستوى استهلاك الطاقة من أبرز التحديات في تطبيقات الذكاء الاصطناعي المدمج، خاصةً عند تشغيل النماذج على أجهزة محدودة الموارد. تكمُّن المشكلة في الحاجة إلى خفض عدد العمليات الحسابية المطلوبة لتفعيل النموذج مع الحفاظ على مستوى مقبول من الدقة. لذلك، تلعب هندسة العتاد (Hardware Architecture) دورًا أساسيًا في تحقيق هذه التوازن، من خلال تصميم معالجات و وحدات مخصصة للذكاء الاصطناعي قادرة على تنفيذ العمليات بكفاءة واستهلاك منخفض للطاقة. من أبرز الأمثلة نجد وحدات المعالجة المخصصة للذكاء الاصطناعي (AI Accelerators) التي تُبنى على مبادئ تحاكي آلية الدماغ البشري في الاقتصاد الطاقي، و التي خُصِصَّت للتطبيقات التي تتطلب تشغيلًا مستمرًا طويل الأمد، مثل الأنظمة الصناعية والزراعية الذكية، خصوصًا في البيئات النائية أو التي تعتمد على مصادر طاقة محدودة كالألواح الشمسية.
- الفجوة بين بيئة تطوير النماذج الذكية وبيئة الأنظمة المدمجة : المشكلة الأساسية تتمثل في عدم وجود أدوات برمجية متكاملة قادرة على نقل النموذج المدرَّب من بيئة التطوير إلى بيئة التنفيذ المدمجة بشكل مباشر. هذا الانتقال يتطلب عمليات ترجمة وتحويل معقدة تشمل التعامل مع اختلافات في بنية عمل للمعالجات، دعم الأنواع المتعددة من البيانات، وضبط الذاكرة والطاقة، إلى جانب الحفاظ على دقة النموذج الأصلية بعد نقله. كما يشكل الجانب التوافقي بين البرمجيات والمكونات الالكترونية تحدياً إضافياً، إذ تختلف قدرات وحدات التحكم والمعالجات المدمجة من منصة إلى أخرى. هذه العقبات التقنية غالباً ما تؤدي إلى اعتماد خطوات يدوية متعددة ومعقدة لتحويل النماذج، وهو ما يحدُّ من قابلية توسيع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الأنظمة المدمجة.
أين وصلنا الان؟
يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي المدمج يمثل أحد أهم التحولات التقنية في العقد الحالي، إذ يجمع بين قوة الذكاء الاصطناعي ومرونة الأنظمة المدمجة لخلق نوعية جديدة من الأجهزة القادرة على الفهم، التحليل، واتخاذ القرار بشكل ذاتي.
في النهاية، يمثل الذكاء الاصطناعي المدمج ركيزة أساسية لمستقبل الأنظمة الذكية المستدامة، حيث لا يكون الذكاء مجرد خدمة سحابية، بل جزءاً متأصلاً في كل جهاز، وكل نظام، وكل عملية صناعية. إنه خطوة حقيقية نحو عالم تتفاعل فيه الآلات بذكاء محلي، أسرع وأكثر أماناً، يخدم الإنسان والبيئة على حد سواء.

