التوأم الرقمي: واقع تقني جديد في قطاع الطاقة

في ظل التطورات السريعة التي يشهدها قطاع الهندسة الكهربائية، برزت تكنولوجيا “التوأم الرقمي” (Digital Twin) كعنصر أساسي في مشاريع تصميم البنية التحتية الذكية و الأنظمة الصناعية حيث مكنت المهندسين و الخبراء من بناء محاكاة دقيقة للنظام، واتخاذ قرارات قائمة على البيانات. في هذه المقالة، سوف نقدم شرحًا متكاملًا للمفهوم، وسوف نسلط الضوء على دوره المتنامي في الهندسة الكهربائية.

ما هو التوأم الرقمي؟

التوأم الرقمي هو نسخة افتراضية دقيقة لنظام فيزيائي حقيقي. يتم إنشاؤه بواسطة البيانات المستقطبة من النظام والمحاكاة الرقمية ليعكس سلوك النظام الفعلي في الزمن الحقيقي. في السياق الهندسي،  يشكل محاكاة حية لمحطة طاقة أو شبكة توزيع كهربائية مبنية على البيانات القادمة مباشرة من الحساسات والمسشتعرات في المحيط.

من هذا المنطلق، لابد من أن نقوم بالتمييز بين النموذج الرقمي، المحاكاة والتوأم الرقمي نظرًا لاختلاف تأثير كل منها على مراحل التصميم والتشغيل والتحكم.

  •  يمثل النموذج الرقمي نسخة رقمية ثابثة من النظام، يستخدم غالبًا في التصاميم المبدئية أو التوثيق الهندسي دون أي ارتباط بالبيانات الحية.
  • المحاكاة هي أداة تحليلية تقوم باختبار سلوك النظام في سيناريوهات محددة، لكنها لا تعكس الحالة التشغيلية الفعلية للنظام في الوقت الحقيقي.
  • في المقابل، يشكل التوأم الرقمي الرابط بين النموذج الرقمي للنظام  و البيانات الحية من خلال تغذيته المستمرة عبر عدد كبير من أنظمة الاستشعار، مما يتيح مراقبة أداءه الفعلي، امكانية التنبؤ بالأعطال، وتحسين القرارات التشغيلية بشكل مستمر.

يتكوّن التوأم الرقمي من ثلاثة مكونات محورية تتيح له إعادة إنتاج السلوك الديناميكي للنظام الفيزيائي بدقة زمنية ووظيفية.

  • البيانات الحية : تُجمَع مباشرة من الحساسات المثبتة في الأجهزة أو البنية الفيزيائية. هذه البيانات تمثل الحالة الآنية  مثل الجهد، التيار، الحرارة، أو الاهتزاز، وتُرسل بشكل مستمر لتطوير التوأم الرقمي.
  • النمذجة الرياضية : تمثل القواعد الفيزيائية التي تحكم سلوك النظام، مثل معادلات الطاقة، الحركة، أو نماذج التحكم الديناميكي، وتُمكن التوأم من توقع ردود الفعل وسلوك النظام تحت ظروف تشغيل مختلفة.
  • الاتصال بالزمن الحقيقي: يتم عبر مجموعة من البروتوكولات المعتمدة على إنترنت الأشياء (IoT) أو الشبكات الصناعية (مثل Modbus أو OPC UA). هذا الاتصال اللحظي يضمن استمرارية تحديث بيانات التوأم.

دور التوأم الرقمي في الهندسة الكهربائية

حسب احصائيات موقع preceneceresearch، قدر سوق التوأم الرقمي العالمي بحوالي 19.8 مليار دولار في عام 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 471.1 مليار دولار بحلول عام 2034، بمعدل نمو سنوي مركب (CAGR) يبلغ نحو 37.3٪ بين 2025 و2034. هذه الأرقام تعطي أملا في تطور التوأم الرقمي ودرحة تبنيه من قبل الشركات الكبرى في بناء الأنظمة المعقدة.

يعتمد نجاح أي نظام على مدى فهمنا لكيفية تفاعله مع محيطه. يتيح التوأم الرقمي الغوص في تفاصيل النظام دون الحاجة إلى التدخل المباشر في البنية الفعلية. من خلاله، يمكن تحليل أداء النظام تحت ظروف تشغيل مختلفة مثل تغيّر الأحمال أو الانقطاعات، مما يوفّر نظرة دقيقة بدون المخاطرة بإحداث أضرار أو تكاليف إضافية.

من جهة أخرى، يساهم التوأم الرقمي في تحسين التصميم الهندسي، حيث يمكن اختبار سيناريوهات متعددة مثل إعادة توزيع الأحمال أو تعديل خصائص المكونات قبل تطبيقها فعليًا. علاوة على ذلك، تُصبح الصيانة التنبؤية ممكنة عبر تتبع مؤشرات الأداء في الزمن الحقيقي، والتدخل قبل حدوث أعطال تؤثر على الخدمة.

تشير تقارير الصناعةمن Worldmetrics إلى أن أكثر من 30% من شركات الطاقة العالمية تستخدم التوائم الرقمية لنمذجة أجزاء الشبكة أو محطات التوليد للتنبؤ بالأعطال وتحسين التشغيل.

وفقًا لتقديرات Fortune Business Insights، من المتوقع أن يرتفع السوق العالمي للتوائم الرقمية من حوالي 16.5 مليار يورو في 2025 إلى نحو 242 مليار يورو بحلول 2032، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ حوالي 39.8%

تُفيد بيانات أخرى من Gitnux بأن 65% من شركات الطاقة تعتبر التوأم الرقمي عنصرًا أساسيًا في تخطيط الشبكة المستقبلية وتحسين موثوقيتها

أما من ناحية التكلفة التشغيلية، حسب Electrical Trader فقد أظهرت دراسات من  في قطاع التحول الرقمي للطاقة أن استخدام التوائم الرقمية يمكن أن يقلل من فترة التوقف غير المخطط لها بنسبة 20 إلى 30%، ويخفض تكلفة الصيانة والتشغيل بنسبة 30%

هذه الحقائق تعكس تحولًا حقيقيًا في مجال الطاقة، حيث أصبحت التوائم الرقمية أداة استراتيجية لتحسين الأداء التشغيلي، إدارة الأصول بكفاءة، وتقليل احتياجات الصيانة. وعلى المهندس الكهربائي أن يستغل هذا التحوّل كفرصة لتوسيع مهاراته نحو التحليل التنبئي، تكامل الذكاء الاصطناعي، والتصميم الافتراضي. لاسيما في بيئات تتطلب موثوقية مطلقة وأماناً تشغيلياً عاليًا.

أمثلة عملية على أرض الواقع:

في محطات الطاقة المتجددة، يُستخدم التوأم الرقمي لمراقبة وتحسين أداء التوربينات والخلايا الشمسية بشكل أني، كما هو مطبّق في مزرعة Topaz الشمسية بكاليفورنيا، حيث ساهم تبني تكنولوجيا التوأم الرقمي في تحسنً مزدوج للأداء و التكاليف بنسبة تقارب 30 % .

في تجربة أخرى حول محطات الرياح في بحر الشمال يعرف ببنك دوغر (Dogger Bank)، أدى الاعتماد على توأم رقمي مخصص إلى زيادة الإنتاج الطاقي بنسبة تصل 5 % خلال الأشهر الأولى فقط كما عزز العمر الافتراضي للتوربينات بنحو 3 سنوات.

أيضا في مبادرة التشغيل الذكي للأصول (Omnivise Asset Management)، طبّقت Siemens Energy نماذج رقمية متقدمة (Digital Twins) لمحاكاة التوربينات الغازية والصناعية عبر تحليل بيانات الاستشعار في الزمن الحقيقي. تم خفض فترات التوقف غير المخطط بنسبة تتراوح بين 30% و50%، عبر استخدام التوأم الرقمي كمحرك للصيانة التنبؤية.

من جهة أخرى، تُمكّن التوائم الرقمية من رصد وتحليل الأحمال الكهربائية في الشبكات الذكية (Smart Grids) بشكل لحظي، مما يتيح التنبؤ بنقاط الاختناق وتعديل مستويات الجهد تلقائيًا لتحقيق توزيع أمثل للطاقة. في مشروع City of Vallejo ببريطانيا، ساهم استخدام هذه التكنولوجيا  في ضبط حدود الطاقة المُصدّرة بنسبة وصلت إلى 56%، معزّزًا بذلك موثوقية الشبكة وتقليل فترات الانقطاع بشكل ملموس.

و في القطاع الصناعي، تُعد شركة Tesla مثالًا رائدًا في تبني التوأم الرقمي، حيث تقوم بإنشاء نموذج رقمي لكل مركبة يتم إنتاجها. هذا النهج يتيح مراقبة أداء السيارات بشكل أني ما يعكس التزام الشركة بالتحول الرقمي الكامل في منتجاتها.

التحديات والقيود

رغم ما يوفره التوأم الرقمي من قدرات تحليلية وتشغيلية متقدمة، إلا أن تطبيقه العملي في المشاريع الهندسية مازال يواجه مجموعة من التحديات التي لا يمكن تجاهلها.

  • التكلفة الأولية المرتفعة: والتي تشمل شراء وتركيب المستشعرات، تطوير نموذج رقمي دقيق، وتوفر بنية تحتية تربط بين النظام الحقيقي ونظيره الرقمي. هذه التكاليف تشكل عائقًا خصوصًا أمام المؤسسات الصغيرة أو تلك التي تعتمد على بنيات
  • البنية التحتية الرقمية المطلوبة : تُعد من الركائز الأساسية لنجاح التوأم الرقمي، حيث يتطلب النظام اتصالاً سريعًا وآمنًا (مثل شبكات 5G)، إلى جانب قدرة معالجة ضخمة تُوفرها عادةً المنصات السحابية أو مراكز البيانات عالية الكفاءة. من دون ذلك، قد يُفقد النظام ميزته الأساسية في التحديث اللحظي واتخاذ القرار الفوري.
  • تكامل الأنظمة القديمة (Legacy Systems): إذ أن العديد من البنى الكهربائية والصناعية الحالية لم تُصمم منذ البداية للتواصل مع أنظمة ذكية أو نقل البيانات اللحظية، مما يتطلب تطوير واجهات توافقية أو إعادة تصميم أجزاء من النظام.
  • الأمان السيبراني والخصوصية: تعد الهجمات السيبرانية  من أبرز المخاطر التي تهدد أنظمة التوأم الرقمي، خاصة في قطاعات حساسة مثل الطاقة أو الرعاية الصحية. كلما زادت كمية البيانات المُجمّعة والمعالجة، زادت فرص استهدافها من قبل الهجمات، ما يتطلب حلول حماية متقدمة تشمل التشفير، وإدارة الوصول، ورصد السلوك الشبكي غير الطبيعي.

مستقبل التوأم الرقمي

يُتوقع أن يُحدث التوأم الرقمي تحولًا جذريًا يتمثل في إمكانية تكامله مع تقنيات الذكاء الاصطناعي هذا التكامل سيُتيح إنشاء نماذج افتراضية ذات قدرة تحليلية فائقة، قادرة على التنبؤ بالأعطال قبل حدوثها، تحسين استهلاك الموارد، وتقديم توصيات فورية لفرق التشغيل والصيانة. فبدلًا من الاعتماد على الجداول الثابتة أو التدخل اليدوي، سيُمكّن النظام المهندسين من اتخاذ قرارات مبنية على بيانات آنية ونماذج واقعية تحاكي ديناميكية الشبكات بدقة.

أما في سياق التحول إلى الطاقة المستدامة، فإن التوأم الرقمي سيكون عنصرًا محوريًا في دمج مصادر الطاقة المتجددة بشكل آمن ومتوازن ضمن الشبكات الكهربائية. من خلال محاكاة التغيرات المفاجئة في الإنتاج أو الأحمال.

هذه التطورات ستغير دور المهندس الكهربائي في المستقبل. لن يكون مجرد مُصمم أو مشغّل للأنظمة، بل سيتحول إلى محلل بيانات ومهندس نظم معقدة، يمتلك مهارات متعددة تشمل فهم الخوارزميات، تحليل البيانات الزمنية، والتفاعل مع أدوات المحاكاة المتقدمة. بذلك، يصبح المهندس جزءًا من منظومة هندسية سيبرانية هجينة، حيث تتقاطع المعرفة التقنية مع علوم البيانات والتعلم الآلي.

 خاتمة

ومع التقدم المستمر في تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، لم يعد الاعتماد على النماذج النظرية أو التجريب الميداني وحدهما كافيين لمواكبة تعقيد الأنظمة الحديثة. من خلال الجمع بين البيانات الحية، والنمذجة الدقيقة، والاتصال الأني، يعد التوأم الرقمي ركيزة تقنية متقدمة تتيح تحسين الأداء التشغيلي، والحد من الأعطال، وتعظيم الكفاءة الطاقية في الأنظمة الكهربائية

وفي هذا السياق، يصبح تبني هذا الوسيلة خيارًا استراتيجيًا لا ترفًا تقنيًا. إن آفاق التوأم الرقمي تتسع لتشمل ليس فقط تحسين النظم الكهربائية الحالية، بل أيضًا إعادة تعريف دور المهندس الكهربائي في بيئة عمل قائمة على التوقعات والتحكم الذكي.