اعتبارات تصميم اللوحات الالكترونية مختلطة الاشارة

مقدمة :

يُعتبر تصميم الأجهزة الالكترونية مركبة الاشارة من أحد أصعب العملِّيَات في مجال تصميم الإلكترونيات.ىإذ يتميز هذا النوع من الأنظمة بطريقة تجميعه بين محولات الاشارة، المعالجات الرقمية و مكونات التردد العالي المبنية على الاشارة التناظرية و الرقمية مجتمعة في لوحة واحدة. و التي بدورها تعَّد أنظمة معقدَّة من ناحية التصميم كون المكونات الرقمية تتصرف بشكل مختلف عن الأجزاء التناظرية من عدة جوانب منها مدى استقرارية الاشارة، و مستويات الحساسية للتشويش و الاستهلاك الطاقي و غيرها من العوامل…

بنية عمل أنظمة الاشارة المختلطة و أهم تطبيقاتها

يشير تصميم الإشارات المختلطة إلى دمج الدوائر التناظرية والرقمية على نفس لوحة الدوائر المطبوعة (PCB). تعمل المكونات التناظرية مع إشارات مستمرة، مثل مدخلات الصوت أو المستشعرات. كما تعالج المكونات الرقمية الإشارات المنفصلة (0 او 1)، التي توجد عادة في المتحكمات الدقيقة أو معالجات الإشارات. يؤدي دمج هذه العناصر المتنوعة إلى إنشاء بيئة إشارات مختلطة التي يتيح تطوير أنظمة إلكترونية معقدة ومتعددة الاستخدامات.

  • الإشارات التناظرية هي أشكال موجية مستمرة مما يجعلها شديدة الحساسية للضوضاء والتداخل.
  • تعمل الإشارات الرقمية من خلال مستويات جهد منفصلة مع انتقالات تبديل سريعة تولد تداخلًا كهرومغناطيسيًا يؤثر على المكونات التناظرية المجاورة.
الصورة 1 – المكونات الإلكترونية مختلطة الإشارة

في الماضي، كانت الأجهزة الإلكترونية تتكون من لوحات دوائر كهربائية فردية مختلفة، لكل منها وظيفة محددة. و مع التطور الانفجاري في انتاج الرقائق و تقلص حجمها و توسيع مجال استعمالاتها، بدأت تصاميم اللوحات المتعددة القديمة تختفي تدريجياً لتحل محلُها تصاميم جديدة للانظمة الالكترونية تحتوي على مكونات تناظرية ورقمية، تُعرف بإسم لوحات الإشارات المختلطة.

يمكن تمثيل المدخَلات والمخرَجَات الإلكترونية كإشارات تناظرية أو رقمية، اعتمادًا على الآلية التي يستقبل بها المكوِّن الإشارة ويُرسلها. في حين أن كلا التنسيقين لهما مزاياهما الفردية، فإن القوة الحقيقية في التصميم التناظري الرقمي تظهر عندما يتم الجمع بين النمطيِّن.

بشكل فردي، يمكن لكل من أنظمة الإشارات التواصل فقط داخل نطاقها الخاص، ولكن من خلال استخدام محولات رقمية-تناظرية (DAC و ADC)، من الممكن التوصيل بين المدخَلات والمخرَجات التي كانت ستظل محصورة في وضع واحد. يتيح هذا الدمج قدرًا هائلاً من المرونة في التصميم والتطوير، ما يوفِّر للمستخدمين أفضلَ ما في كلا العالمين عندما يتعلق الأمر بالحصول على البيانات وتخزينها ونقلها.

انتشر تصميم أنظمة الإشارة المختلطة في مختلف الصناعات والتطبيقات نظرًا لقدرته على التعامل بكفاءة مع الإشارات المختلطة داخل نفس الدائرة المتكاملة.

المجال التطبيقات العملية متطلبات التصميم
مجال الطيران
  • أنظمة الاتصالات والتحكم في الطائرات بدون طيار، أنظمة الملاحة وأجهزة الاستشعار المتقدمة للطيران.
  • اعتماد بروتوكولات اتصالات عالية الأداء ومنخفضة الكمون، مع دمج بروتوكولات لاسلكية متعددة (Wi-Fi، ZigBee، Bluetooth).
إنترنت الأشياء (IoT)
  • أجهزة استشعار ذكية صغيرة الحجم مدمجة في المنازل الذكية، المراقبة البيئية، وتتبع الأصول الصناعية.
  • معالجات منخفضة الطاقة، تكامل دوائر رقمية وتناظرية، وإدارة طاقة ذكية لتمديد عمر البطارية.
المستشعرات
  • تحويل الإشارات التناظرية إلى رقمية عالية الدقة لمعالجة بيانات الحرارة، الضغط، أو السرعة في الزمن الحقيقي.
  • استخدام محولات متعددة القنوات، أنظمة معالجة عالية التردد، وتكامل مع دوائر تحكم دقيقة (MCUs أو DSPs).
الأنظمة الصناعية
  • التحكم في خطوط الإنتاج الذكية، وإدارة الطاقة في المصانع، وأنظمة مراقبة الصيانة التنبؤية.
  • تصميم دوائر مقاومة للتشويش والاهتزاز
  • نظام الكتروني متعدد مع نظام تحكم خارجي لاستقطاب البيانات
  • واجهات رقمية لارسال بيانات الاستشعار
  • بنية مصممة حسب متطلبات بيئية صارمة
صناعة السيارات
  • أنظمة التحكم في المحركات، الفرامل، الوسائد الهوائية، وأجهزة الاستشعار داخل المركبة.
  • دعم بروتوكولات اتصال مخصصة للسيارات (CAN، LIN، FlexRay)، معالجة إشارات منخفضة التردد، وتصميم متين ضد التداخل الكهرومغناطيسي.
إدارة الطاقة
  • أنظمة مراقبة وتحكم في الشبكات الكهربائية.
  • محولات طاقة عالية الكفاءة، وأجهزة قياس ذكية.
  • تصميم دوائر مختلطة ذات دقة عالية لقياس الفولتية والتيار، إدارة حرارية فعالة، ودعم واجهات اتصال رقمية للتحكم المركزي.

تحديات أنظمة الاشارة المختلطة

ينبع التحدي الجوهري في تصميم هذه الأنظمة من التعارض الأساسي في طبيعة عمل المكونات التناظرية والرقمية. هذا التباين يخلق بيئة خصبَة لظهور مشاكل متعدِّدة مثل التشويش الكهرومغناطيسي، انزياح الإشارات التناظرية، أوحدوث تأخيرات في توقيت ارسال الاشارات بين مختلف المكونات الالكترونية.

الصورة 2 – بنية مبسطة لمكونات لوحة الكترونية مختلطة الإشارة
تداخل الاشارة

عندما تتداخل الإشارات الرقمية مع الإشارات التناظرية، قد تحدث مشاكل في طبيعة تكوين الإشارة تؤدي إلى تلف البيانات أو نتوج سلوك غير متوقع في النظام. هذا التداخل هو نتيجة لتلاقي إشارات مسارات التوصيل المجاورة مع بعضها البعض. كما أن هناك عامل آخر عويص، وهو حقيقة أن الإشارات الرقمية هي الأكثر ضوضاءً مقارنة بالإشارات التناظرية، وبالتالي تشكل أكبر تهديد للإشارات التناظرية الحساسة.

التشويشات الطاقية

أسوأ مشكلة في تصميم لوحات الدوائر المطبوعة ذات الإشارات المختلطة هي التغيرات في مستويات الطاقة. هذه التموجات والارتفاعات المفاجئة في جهد المصدر تنتقل بشكل حتمي إلى الدوائر التناظرية الحساسة، مما يتسبب في تشويه الإشارات التناظرية منخفضة المستوى أو إغراقها في الضوضاء، وهو ما يضعف دقة النظام ككل وقد يعطله بالكامل.

التأثيرات الكهرومغناطيسية

يتطلب تطوير اللوحات الالكترونية ذات الإشارات المختلطة التحكُّمَ في التداخل بين المكونات التناظرية والرقمية التي تشترك في نفس الركيزة و المستوى الأرضي. يخلق التموضع الغير الصحيح الدارة التناطرية و الدارة الرقمية في نفس اللوحة الالكترونية احتمالية حدوث تداخل كهرومغناطيسي عالي قد يدمر استقرار الاشارة الخطية إذا لم يتم تخطيط هيكل النظام الالكتروني بشكل جيد. كما أن الإدارة السيئة لمسار التيار الرجعي قد ينتج عنه حلقات تيار واسعة التي تساهم في زيادة مستويات الانبعاثات المغناظيسية التي تتجاوز الحدود القانونية.

التقنيات المعتمدة لبناء الكترونيات الاشارة المختلطة :

تشكل الخصائص التالية أحد أهم الاعتبارات في تصميم الالكترونيات مختلطة الاشارة:

  • تصميم الواجهة: من الضروري تصميم الواجهات التناظرية بحذر من أجل دعم استقطاب عالي للاشارة و معالجتها بمستوى تشويش منخفض. لذلك، تعتبر عملية اختيار محولات الاشارة و المكونات الرقمية أمرا أساسيا في تصميم هذه الأنظمة.
  • إختيار المعالج : يساهم الإختيار الموفَّق للمعالج الرقمي في تقليل حجم النظام من خلال إتاحة مختلف الواجهات الرقمية في مكون واحد. توجد عدة أنواع من المعالجات التي تعتمد هذا النهج من أشهرها نجد نظام FPGA الذي يعتبر دارة إلكترونية رقمية متقدمة تعتمد على مبدأ المصفوفات القابلة للبرمجة. يتم تعديل هذه المصفوفات حسب متطلبات التشغيل بواسطة لغات مخصَّصَة في وصف بنية الدوائر الرقمية مثل لغة VHDL. هذه البينة الالكترونية تتيح المعالجة المتوازية للبيانات الضخمة على عكس وحدات المعالجة الموجودة في الحواسيب و الأجهزة المحمولة. تعتبر شركة XLINIX المنتمية لمؤسسة AMD و شركة altera المنتمية لمنظمة Intel من أهم مصنعِّي هذا النوع من المعالجات.
  • ربط المكونات و هيكل اللوحة الالكترونية : أحد أبرز محددات التشويش بين أجزاء الدارة الإلكترونية هي كيفية تموضع مكوناتها الرقمية و التناظرية. فبعض التقنيات المتداولة تتطلب التقسيم بين الطبقة الأرضية للدارتين الرقمية و التناظرية و تقنيات اخرى تسير في نهج مغاير.
  • تصميم طبقات اللوحة:  جانب أخر مهِّم في التخطيط الطبقي هو اعتماد تصميم يدعم العزل بين الأجزاء الرقمية و التناظرية. تضمن هذه العملية توفير تراتبية مناسبة لطبقات اللوحة المطبوعة و خفض التداخل الكهرومغناطيسي الغير المرغوب فيه لأقل مستوى.
الصورة 3 – أهم الاعتبارات الاساسية في تصميم الأنظمة الاكترونية مختلطة الإشارة

غالبا ما تعتمد تصاميم أنظمة الاشارة المختلطة على أربع طبقات أو أكثر لتوفير عزل مناسب بين السطح الأرضي و مصدر الطاقة .إذ من الضروري القيام بتخطيط محكَّم لتموضع الطبقة الأرضية لتجنب الحلقات الأرضية و تعزيز المسارات الرِجعية للتيَّار في كل مجال من الدارة الإلكترونية. تحتوي اللوحات الالكترونية المتداولة على طبقات إشارة متناوبة مع الطبقات الارضية و الطبقة الطاقية منتجَة بذلك مسارات توصيل متحكم فيها. تتيح هذه الوسيلة التقسيم الفيزيائي المناسب بين مناطق الاشارة الرقمية و التناظرية مع الاحتفاظ بمرجع أرضي مشترك للجهد.

هذا التقسيم الفيزيائي يقلل من الترابط الكهرومغناطيسي و يمنع التشويشات الرقمية عالية التردد من الثأتير على القياسات التناظرية الحساسة. في التطبيقات اللاسلكية، تتطلب المناطق عالية التردد استخدام مواد خاصة لتقليل مستويات ضغط الاشارة.

عزل مصدر الطاقة

إن اعتماد نظام ترشيح فعال و شبكة توزيع طاقي محكم يساهِم في عملية عزل تذبذبات مصدر تغذية الطاقة و منع تيار التبادل الرقمي من إفساد مصدر الاشارة التناظرية. من بين الممارسات الشائعة في التصميم هو توفير مرجع الطاقية خالي من التذبدبات في الأنظمة الالكترونية مختلطة الإشارة. يمكن تحقيق ذلك إما عن طريق :

  • عزل محولات الجهد، أي امتلاك مصدر طاقي مستقِّل في كل منطقة من النظام الالكتروني بهذف اقصاء الترابط الحثِّي المشترك.
  • القيام بتموضع استراتيجي للمكثفَّات قرب منافذ الطاقة الذي بدوره يقلل من مستوى انتشار التشويشات عالية التردد.

عملية الربط الأرضي

يمثِّل التأريض عملية أساسية في تصميم تخطيط لوحات الدوائر المطبوعة ذات الإشارات المختلطة. إذ يشترط أن تحتوي لوحات الدوائر المطبوعة النموذجية على طبقة أرضية واحدة على الأقل لضمان تحقيق مسار تيار مكتمل بمستوى مقاومة منخفض. يُشِّكل توجيه جميع المسارات الأرضية للمكونات الالكترونية وتوصيلها بطبقة أرضية منخفضة المقاومة عاملا مهما في تقليل ارتفاع مستويات الحثِّ والمقاومة.

لا يزال فصل الأرضية التناظرية عن الأرضية الرقمية نهجًا قياسيًا للتأريض في أنظمة الإشارات المختلطة. ومع ذلك، فإن أحدث التطورات أوضحت أنه يمكن إدارة الأجهزة ذات الإشارات المختلطة بشكل أفضل بالاعتماد على طبقة أرضية متصلة. للمضي قدمًا، يجب على المصمِّم النظر في ممارسة التأريض الأنسب وفقًا لمتطلبات التشغيل.

تقنيات الغاء الترابط

تحدث الإضطربات في المسارات الرجعية للتيار عندما ينقطع المسار ذو المقاومة المنخفضة أسفل مسار توصيل الإشارة، هذا الانقطاع يمكن أن يحذث لعدة أسباب منها:

  • الفجوات في المستويات المرجعية
  • التغييرات في طبقات المستوى المرجعي (التبديل من الطبقة الأرضية إلى الطبقة الطاقية)
  • الفتحات أو الانقسامات في المستويات الموصلات والممرات بين الطبقات.

تُعَّد نسبة رفض مصدر الطاقة (PSRR) إحدى المعلمات المهمة التي يجب على المُصمِّم أخذها بعين الاعتبار لتحقيق الأداء المستهدف للنظام. هذا المعيار عبارة عن مقياس لحساسية الجهاز تجاه تقلبات مصدر الطاقة، والتي تحدد في النهاية أداء جهاز معين.

القاعدة الأساسية في هذا المعيار هي تسهيل عودة التيار عن طريق توفير أقصر مسار. للحفاظ على مستوى PSRR مناسب، يجب خفض أو منع مصدر الطاقة عالي التردد من دخول الجهاز. يمكن القيام بذلك عن طريق فصل مصدر الطاقة للجهاز بشكل صحيح عن مستوى الأرض منخفض المقاومة باستخدام مزيج من المكثفات الإلكتروليتية والسيراميكية. يتمثل المفهوم الكامل للفصل الصحيح في توفير بيئة منخفضة الضوضاء يمكن أن تعمل فيها الدارة.

التحكم في التيار الرجعي

من المعروف أن جميع التيارات الكهربائية تمر في حلقة مغلقة. هناك نوعان:

  • التيار الرجعي المستمر يتبع المسار أقل مقاومة في مستوى تردد منخفض.
  • التيار الرجعي المتناوب يلحق المسار اقل حثية في مستويات التردد العالية.

كان قواعد تصميم الإلكترونيات في الماضي متساهلة إلى حد ما. فالمخططات غير الدقيقة كانت لا تزال تنتج لوحات ذات وظائف مجدِية. لكن الآن، في سباق تصغير لوحات الدائرة المطبوعة والرقائق، انخفض مستوى جهد التشغيل وهوامش التشويش المسموح به. هذا الانخفاض كان كبيرا لدرجة أن المهندسين أصبحوا بحاجة إلى أن يكونوا حذرين للغاية في خياراتهم التصميمية.

لم تعد اللوحات أصغر حجماً فحسب، بل أصبحت الآن أسرع. فاليوم، صُممت اللوحات لتعمل بترددات عالية بما يكفي للإضرار بأداء الدارة الالكترونية بشكل ملحوظ. ما يُطلق عليه اللوحات المطبوعة عالية السرعة. تشمل العوامل الأخرى المواد المستخدمة، وطول المسارات النحاسية، وحجم اللوحة، والبيئة المحيطة.

يُعتبر التردد 50MHz فما فوق هو النقطة التي يمكن عندها اعتبار تخطيط اللوحة تصميمًا عالي السرعة. الجانب المثير في اللوحات عالية السرعة هو أنها لا تتبع مسار المقاومة الأقل، بل تتبع مسار المعاوقة الأقل. بدون تخطيط صحيح لمسار العودة، قد تنتشر التيار حول الشقوق في المستوي الأرضي، مما يؤدي إلى فقدان سلامة الإشارة.

خاتمة :

إن تحقيق الاستقرار الأمثل في الأنظمة الالكترونية مختلطة الاشارة لا يتحقق عبر حل واحد جذري، بل هو نتاج نهج متكامل يجمع بين هندسة الدوائر الدقيقة، وخوارزميات المعالجة المتطورة، وأدوات المحاكاة الدقيقة. إن الاستثمار في تطوير تقنيات مثل العزل الكهربائي المتقدم، وضبط توقيت الاشارات الرقمية، وتصفية الإشارات التناظرية هو الاستثمار الحقيقي في رفع كفاءة هذه الأنظمة. ويبقى الهدف النهائي هو تحويل هذا التحدي المعقد إلى فرصة لانتاج أنظمة تتجاوز حدود الأداء الحالية.