استراتيجيات الصيانة التنبؤية في الأنظمة الكهربائية

مقدمة:

تعدّ الصيانة أحد المكونات الأساسية في إدارة الأصول الهندسية، لما لها من تأثير مباشر على الكفاءة التشغيلية، السلامة، والتكلفة الكلية للمعدات. في الأنظمة الكهربائية الصناعية وأنظمة القدرة الطاقية، تكتسي الصيانة أهمية خاصة نظرًا لحساسية التجهيزات الكهربائية وتعقّد ظواهر الأعطال، وما يترتب عنها من آثار تقنية واقتصادية قد تمتد إلى استمرارية التغذية وجودة الطاقة. إن اطالة العمر التشغيلي للألات الصناعية لا يتحقق إلا عبر اعتماد نظام صيانة مجدي و مدروس. حيث تهدر نسبة كبيرة من الميزانيات المخصّصة للصيانة في برامج وقائية تقليدية تُنفّذ وفق جداول زمنية ثابتة، دون مراعاة الحالة الحقيقية للألة. في المقابل، يتيح الانتقال نحو الصيانة الاستباقية والتدخل القائم على مؤشرات تدهور قابلة للقياس تحقيق استغلال أمثل للعمر المتبقي للآلة، تقليص الأعطال المفاجئة، وتعظيم الاستفادة من العمر المتبقي للأصول في بيئات صناعية وشبكات طاقة تتسم بارتفاع متطلبات الأداء والاستمرارية.

ما هدف الصيانة التنبؤية؟

الصيانة التنبؤية هي استراتيجية استباقية لتعقب الأخطاء المحتملة و التصرفات الغير الطبيعية في أداء المعدات و الألات. تعتمد هذه الاستراتيجة على جمع المعلومات و تحليلها طوال فترة تشغيل الجهاز من أجل التنبؤ بالأعطاب و انخفاض الكفاءة. تساهم الصيانة التنبؤية في بناء مواعيد صيانة فعالة ترفع من العمر الافتراضي للتشغيل. تنقسم استراتجيات الصيانة إلى ثلات أنواع:

  • الصيانة الأنية : القيام بالمعاينة و الاصلاح عند تعطل النظام. غالبا تكون تكاليف الاصلاح أو الاستبدال باهضة بالنسبة للمعدات الصناعية الحرجة.
  • الصيانة الوقائية : ترتيب مواعيد للاصلاح أو الصيانة لتجنب الاعطال المفاجئة للنظام. هذه الوسيلة تعد أكثر فائدة من الصيانة الأنية لأنه تسمح للفريق التقني بمعالجة المشكلة قبل أن تصبح مشكلة أكبر. لكنها قد تؤدي إلى هدر للموارد و فترات توقف غير ضرورية في حال كون المعدات لاتزال تعمل بكامل كفاءتها.
  • الصيانة التنبؤية : تتم عن طريق توقع فترة تعطل النظام و القيام بتحديد أفضل وقت للاصلاح قبل تلفه. يمكن التحدي في هذه الاستراتيجية في التعقيج التكنولوجيي ثم الحاجة للاستثمار في الموارد و التدريب اللازمين في بناء أنظمة التنبؤ.

يعتمد اختيار استراتيجيات الصيانة على عدة عوامل، منها أهمية المعدات، وتكاليف توقفها، والموارد المتاحة للاستثمار في تقنيات الصيانة التنبؤية المتقدمة وإدارتها. ففي قطاعات حساسة مثل صناعة الطيران أو الطاقة، يُؤدي تعطل المعدات إلى مخاطر جسيمة على السلامة أو خسائر إنتاجية كبيرة، لذا يتم اعتماد الصيانة التنبؤية لما توفره من إمكانيات مراقبة آنية. أما في القطاعات التي لا تُعدّ فيها دقة التنبؤ بمدة التعطل أمرًا بالغ الأهمية، فقد تختار الشركات بساطة الصيانة الوقائية وسهولة تطبيقها.

أنواع الصيانة
الصورة 1 – مختلف أنواع الصيانة

في عدة دول أوروبية مثل ألمانيا و فرنسا، اعتمد مشغلو شبكات النقل الكهربائي برامج صيانة تنبؤية متقدمة لمحولات القدرة ذات الجهود العالية جدًا. تقوم هذه المشاريع على تجميع بيانات متعددة المصادر تشمل تحليل الغازات المذابة، قياسات التفريغ الجزئي، درجات الحرارة، وتاريخ التحميل. يتم دمج هذه المعطيات داخل منصات تحليل تعتمد نماذج إحصائية وخوارزميات تعلم آلي لتقدير مؤشر صحة المحول (Transformer Health Index). أظهرت نتائج هذه المشاريع انخفاضًا ملموسًا في الأعطال الكارثية، وتحولًا من استبدال المحولات بناءً على العمر الزمني إلى قرارات استثمارية قائمة على الحالة الفعلية للأصل الكهربائي.

إطار عمل الصيانة التنبؤية ؟

تعد الأعطاب الكهربائية مكلفة، خطيرة و تشلِّل العمليات الصناعية عند الإضطرار القيام بالصيانة الأنية. لهذا فتوقع توقيت العطب أو تقدير مدة حياة النظام يجنِّب المنشأت التوقفات في عملياتها. و يساهم في التعامل مع التوقف الغير المتوقع،  تلف المعدات من أخطاء غير مكتشفة، حوادث السلامة الناتجة عن الأعطاب الكهربائية…

في إطار مشاريع الشبكات الذكية المدعومة أوروبيًا، تم تطبيق الصيانة التنبؤية على معدات التوزيع مثل القواطع، الكابلات الأرضية، ومحطات التحويل الثانوية. تعتمد هذه المشاريع على بيانات العدادات الذكية، حساسات التيار والجهد، وقياسات التفريغ الجزئي في الكابلات المعزولة. من خلال التحليل الزمني لهذه البيانات، تمكن المهندسون من رصد مؤشرات تدهور العزل أو تآكل آليات الفصل في القواطع قبل حدوث الأعطال. هذه المقاربة أسهمت في تحسين مؤشرات SAIDI وSAIFI، وهي مؤشرات تنظيمية أساسية تُقيَّم على أساسها جودة الخدمة في أوروبا.

لبناء نظام صيانة تنبؤي، يجب الإجابة على 3 أسئلة.

  • هل الألة تعمل بشكل طبيعي؟
  • لماذا الألة تعمل بشكل غير مألوف؟
  • كم بقي من دورة حياة الألة؟

كل واحد من هذه الأسئلة يمكن الجواب عليه من خلال واحدة من التقنيات التالية :

  • كشف التصرفات الغير الطبيعية
  • تصنيف و تعقب الأعطاب
  • تقدير مدة الحياة المتبقي للألة

كل ما حاولنا الرفع من مستوى الصناية التنبؤية، كلما تطلب الأمر حجم أكبر من البيانات الذي يجب استقطابها و تحليلها لكسب أكبر قيمة ممكنة من العملية . تسير الصيانة التنبؤية عبر مجموعة من التكنولوجيات المتقدمة و عمليات تحليل البيانات لتعقب الإشارات البدئية لتلف الجهاز.

 

مسار بناء نظام صيانة تنبؤي
الصورة 1 – مسار بناء نظام للصيانة التنبؤية

كشف التصرفات الغير الطبيعية

تركز هذه التقنية على تعقب الانحرافات في عملية تشغيل المعدات التصرفات الغير الطبيعية كالأعطاب في المعدات، خروقات في الحماية أو مشاكل في طريقة العمل… يتطلب تفعيلها فقط استقطاب البيانات الخاصة بالسلوك الطبيعي و هو أسهل في التطبيق مقارنة بالخوارزميات المتقدمة للصيانة التنبؤية.

يمكن الكشف عن بعض الانحرافات بواسطة العين المجردة من خلال استكتشاف البيانات و استخراج الاستنتاجات منها. لكن، أغلب الانحرافات يصعب تحديدها بشكل بصري، لذا تُعتمد خوارزميات خاصة مبنية يتم تدريبها بناءا على البيانات المتراكمة و المستخرجة من المستشعرات الخاصة بالمعدات الصناعية من أجل التعامل السريع مع الانحرافات و بناء نظام مراقبة ذاتي لهذه المعدات. توجد العديد من الطرق المعتمدة في عملية الكشفة، بعضها يتعمد على الذكاء الاصطناعي لتحديد الانحرافات في البيانات الأنية.

  • تقنيات إحصائية : تعتمد هذه الأساليب على افتراضات حول توزيع البيانات الأساسي لكشف السلوكات الغير الطبيعية للمعدات. و يتم ذلك من خلال تحديد نقاط البيانات التي تنحرف بشكل كبير عن السلوك المتوقع.
  • تقنيات الذكاء الاصطناعي أحادية التصنيف : تعمل هذه التقنية بشكل فعال في حالت كون الانحرافات في النظام نادرة أو لا تملك شكل بارز. كما تتوفر كميات ضخمة من البيانات المخصصة لتدريب النماذج الذكية.
  • تقنيات التجميع : عندما تختلط البيانات ببيانات غير طبيعية ولا يمكنك تصنيفها، يمكنك تجربة أساليب التجميع غير الخاضعة للإشراف للكشف عن التغًّيرات. تقوم هذه الخوارزميات بتجميع نقاط البيانات المتشابهة بناءً على خصائصها. عادةً ما تُطبق أساليب التجميع على الميزات المستخرجة من بيانات السلاسل الزمنية، مثل المكونات الرئيسية. في بعض الأحيان، يمكنك ربط مجموعات البيانات الطبيعية والغير المألوفة، ولكن إذا كانت مجموعة البيانات متوازنة (تحتوي على العديد من الإنحرافات من النوع نفسه)، فمن المرجح أن تكون النتائج المفيدة أكبر باستخدام أساليب الذكاء الاصطناعي أحادية التصنيف.

تصنيف و تعقب الأعطاب

على غرار التقنية الأولى، تشكِّل هذه التقنية المستوى الثاني من عملية الصيانة التنبؤية. فبدل الكشف عن الانحرافات في عمل النظام فقط، يمكن تصنيف و تعقب كافة الأعطاب الممكنة للنظام من البيانات المستقطبة، ما يتيح القيام بجدولة الموارد المناسبة في عملية الصيانة بطريقة فعالة. تتم هذه العملية عبر 3 مراحل :

  • حساب كافة الخصائص المحدِّدة لهذه الأعطاب من خلال البيانات الضخمة المتراكمة حول المعدات.
  • أختيار أهم الخصائص و تدريب نموذج التعلم الألي لتصنيف الأعطاب اعتمادا عليها.
  • اختبار النموذج الذكي بواسطة بيانات جديدة لتقييم كفاءة تعقب و تصنيف الأخطاء بناءا على البيانات الأنية للنظام.

تقدير مدة الحياة المتبقية للجهاز قبل التعرض للعطب :

أخر مستوى من الصيانة التنبؤية هو امتلاك رؤية حول العمر الافتراضي الفعال للمعدات قبل تعرضها للعطب. فإعتمادا على مدى وفرة و طبيعة البيانات المتسقطبة حول حالة المعدات، يمكن تبني واحدة من التقنيات التالية في محاولة تنبؤ بالعمر المتبقي للمعدات و جدولة الصيانة في الوقت و المكان المناسب :

  • نماذج التشابه : تعتبر الاكثر فعالية عند امتلاك بيانات متراكمة حول المعدات المعطوبة. يمكن مقارنة هذه البيانات و ربطها مع بيانات المعدات المتشابهة في طور التشغيل السليم لبناء نموذج تنبؤي يحدد أفضل تقدير لفترة انتهاء حياة النظام.
  • نماذج التدهور : في بعض الحالات، نجد تعطل النظام في المنشأة الصناعية يعد باهضا و لا نملك بيانات تاريخية حول النظام في حالة عطب. لذا يمكن الاكتفاء بالبيانات التي تم تجميعها من أعمال الصيانة الوقائية و التي تظهر مستوى تدهور كفاءة النظام مع الوقت و تقدير حد أقصى لهذا التدهور كعتبة قرب النظام من عتبة التعطل يمكن من خلاله برمجة الصيانة.
  • نماذج التشغيل: هذه التقنية تقوم على احتمالية بقاء تشغيل الجهاز مع الوقت اعتمادا على بيانات العمر الافتراضي لمعدات متقاربة و خصائصها.

التحديات التي تحوم الصيانة التنبؤية ؟

على الرغم من المزايا التقنية والاقتصادية التي توفرها الصيانة التنبؤية، فإن تطبيقها في الأنظمة الكهربائية يحتاج التعامل مع مجموعة من التحديات الهندسية والتنظيمية. أول هذه التحديات يتمثل في جودة وتكامل البيانات، حيث إن الأنظمة الكهربائية تعتمد على مصادر بيانات غير متجانسة من حيث الدقة، التردد الزمني، وموثوقية القياس، مما يعقّد عملية بناء نماذج تنبؤية دقيقة. كما أن نقص البيانات التاريخية المرتبطة بحالات الفشل، خاصة في المعدات ذات الموثوقية العالية مثل محولات القدرة، يحد من فعالية خوارزميات التنبؤ ويجعل التحقق من النتائج أمرًا معقدًا من الناحية الإحصائية. و أيضا :

  • قيود متطلبات البيانات: التحليل التنبؤي و عملية المراقبة المعتمدة في الصيانة التنبؤية تتطلب حجم كبير من البيانات مع الوقت. بدون مصدر بيانات ثابت، لن يقدر المهندسون من تدريب نماذج التعلم الألي أو تحديد الخصائص المهمة من البيانات المستقطبة.
  • التدريب التقني: غالبية المنشاات تقوم بتدريب التقنيين و المهندسين للقيام بالصيانة الوقائية المجدولة. من ناحية أخرى، يتطلب الصيانة التنبؤية تدريب خاص يركِّز على التصرف مع القرارات المبنية على البيانات، التعامل مع المعلومات الصادرة من عملية المراقبة و التحليل التنبؤي.
  • البنية التحتية : يتطلب بناء نظام صيانة تنبؤي فعال في المنشأت الصناعية امتلاك بنية تحتية معلوماتية ضخمة. تركيب مستودعات تخزين البيانات أو اعتماد الخدمات السحابية. الربط بين المستشعرات و أنظمة التحكم مع البنية التحتية و توفير قوة حوسبية كافية لتحليل البيانات و القيام بالمحاكاة.

ختاما، يطرح دمج أنظمة المراقبة التنبؤية مع البنية التحتية الكهربائية القائمة تحديات تقنية تتعلق بالتوافق مع المعدات القديمة، القيود التشغيلية، ومتطلبات الأمن السيبراني، خصوصًا في شبكات الطاقة الذكية. كما أن الانتقال من الصيانة التقليدية إلى الصيانة القائمة على البيانات يتطلب تحولًا في الثقافة الهندسية، يشمل تطوير مهارات تحليل البيانات لدى المهندسين، وتكييف عمليات اتخاذ القرار مع مخرجات النماذج التحليلية. وعليه، فإن نجاح الصيانة التنبؤية لا يرتبط فقط بتوفر التقنيات، بل يعتمد بشكل أساسي على حوكمة البيانات، تأهيل الموارد البشرية، ومواءمة الأطر التنظيمية مع هذا التحول الهندسي.

المراجع: