إعادة تدوير الالواح الشمسية : التحدي الخفي للطاقات المتجددة

قبل 25 عاما، كانت الطاقة الشمسية تعتبر وعدا للمستقبل. ومنذ ذاك الوقت، كان تبني الطاقة الشمسية خلال العقدين الماضيين ثوريًا نظرا لكونها ارخص مصادر إنتاج الطاقة. مليارات الألواح نُصبت فوق الأسطح، في الحقول وعلى امتداد الصحاري. أتاح هذا التحول إنتاج طاقة نظيفة وقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري، لكن حاليا نواجه معضلة جديدة : ماذا نفعل عندما تتلف هذه الألواح في المستقبل ؟ هذا ما سنحاول الجواب عنه في هذه المقالة.

دواعي إعادة تدوير الألواح الشمسية:

قبل فترة، صادفت صورة على منصة LinkedIn أثارت انتباهي: بحلول سنة 2030، يُتوقع خروج أكثر من مليون طن من الألواح الشمسية عن الخدمة، هذا النمو الكبير في اعتماد الطاقة الشمسية يعني أن هناك حاجة ماسة لاعادة تدويرها عند إنتهاء صلاحيتها لكن المفارقة الصادمة أن البنية التحتية اللازمة لإعادة تدوير هذه الكمية الهائلة شبه معدومة. نحن نتحدث عن أكثر من 2.5 مليار لوح شمسي تم تركيبه بالفعل، معضمها يقترب من نهاية عمره الافتراضي البالغ نحو 25 عامًا و التي سينتهي المطاف بها في مكبات النفايات.

رغم كون الالواح الشمسية لا تشكل أي خطر على صحة الإنسان أو البيئة غير أن التخلي عنها يعني خسارة كم كبير من المواد القيّمة كالفضة، الزجاج والسيليكون … هذا ليس مجرد هدر بسيط. إنها فرصة ضائعة تُقدر بمليارات الدولارات.

الهدف من الإقتصاد الدائري هو استعمال المواد الأولية بشكل دوري. كون اعتماد المواد المعاد تدويرها يعد أكثر كفاءة من الحفر و استخراج مواد جديدة. تدوير الألواح الشمسية لا يساهم فقط في حماية البيئة، بل يفتح الباب أمام اقتصاد طاقي أكثر كفاءة من خلال استعادة موارد ثمينة وإعادة ضخها في أنظمة الطاقة الجديدة.

ما هي الطرق الممكنة لإعادة تدوير الألواح الشمسية؟

تتكون الألواح الشمسية، وخاصة الألواح الكهروضوئية (PV) من مواد متعددة مدمجة في طبقات: زجاج، ألمنيوم، خلايا سيليكونية، أسلاك نحاسية، وطبقات بوليمرية واقية. يتطلب تدويرها عملية متعددة المراحل من أبرزها :

1. الفصل اليدوي والميكانيكي (Mechanical/Manual Dismantling) : الخطوة الأولى في أي عملية إعادة تدوير تبدأ بإزالة المكونات سهلة الفصل كالإطار المعدني (يتشكل غالبا من الأليمنيوم) الذي يُفكك بشكل ميكانيكي أو يدوي. يليها إزالة علبة التوصيل الكهربائية (Junction Box) من أجل استخراج النحاس. و أخيرا يتم فصل الزجاج الأمامي غالبًا دون كسر (يمثل نحو 70–75% من وزن اللوح) باستخدام تقنيات تفريغ حراري أو ميكانيكي، كون قابلية هذه المادة لإعادة الاستخدام أو الصهر.

2. المعالجة الحرارية (Thermal Processing) : تُستخدم أفران صناعية لتسخين الألواح إلى درجات حرارة تتراوح بين 500–600 درجة مئوية. الهدف هو تفكيك الطبقات البوليمرية اللاصقة (مثل EVA – Ethylene Vinyl Acetate) التي تربط الخلايا ببعضها البعض. بعد تكسير هذه الروابط، يصبح من السهل فصل الزجاج والخلايا و الحفاظ على جودتها. غير أن هذه العملية تستهلك موارد طاقية مرتفعة و قد تؤدي الى إنبعاتات مضرة إذا لم تتم معالجتها بانظباط.

3. المعالجة الكيميائية (Chemical Leaching) : تُستخدم مذيبات كيميائية حمضية أو قاعدية كحمض النيتريك أو الهيدروكلوريك لاستخلاص المعادن النادرة مثل الفضة والنحاس من الموصلات. كما يتم إضافة معالجات أخرى لاستخراج السيليكون من الخلايا بعد إزالة الطلاءات المعدنية.

بالإضافة إلى ذلك، يُستخدم السيليكون البلوري بعد تنقيته في صناعة خلايا جديدة أو في صناعات أخرى مثل الإلكترونيات. تعتبر هذه الطريقة ملوثة للبيئة إذا لم تُدار النفايات الكيميائية بشكل صارم.

4. إعادة استخدام المكونات السليمة (Component Reuse) : في حالات حدوث تلف جزئي فقط، يمكن إعادة تدوير الخلايا الشمسية من خلال تنظيفها وإعادة معالجتها لتُعتمد في ألواح جديدة منخفضة الكفاءة. كما يمكن استخدام الألمنيوم مباشرة في صناعات أخرى بعد صهره.

5. الفرز الآلي باستخدام الذكاء الاصطناعي (AI-Driven Sorting): في ضل تبني تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي، تم ابتكار تقنيات حديثة تعتمد على الرؤية الحوسبية (Computer Vision) لفحص الألواح الشمسية وتحديد نوع الخلايا (سيليكون أحادي/متعدد البلورات، خلية رقيقة مثل CdTe أو CIGS) كما تتيح التعرف على مستوى الضرر أو التآكل فيها. إضافة الى مدى إمكانية استرجاع المواد الألوية بهدف توجيه الألواح المنتهية صلاحيتها تلقائيًا إلى خطوط إعادة التدوير المناسبة.

التحديات البيئية لتدوير الألواح الشمسية

كأي مشروع ضخم، هنالك العديد من العوائق التي قد تحول دون القيام بتوسيع عملية إعادة تدوير الألواح الشمسية على نطاق كبير، من أبرزها :

  • غياب البنية التحتية الصناعية: معظم الدول لا تملك منشأت متخصصة للتعامل مع الألواح الشمسية بعد إنتهاء عمرها الإفتراضي. مما يؤدي إلى خيارين فقط: التخزين المؤقت أو التخلص منها في مكب النفايات.
  • ضعف الجدوى الاقتصادية للتدوير: عمليات التدوير الحالية غالبًا ما تكون مكلفة مقارنة بالقيمة السوقية للمواد المستخرجة. فعلى سبيل المثال، استرجاع الفضة من الخلايا يتطلب معالجة حرارية وكيميائية معقدة، بينما الكمية المسترجعة قد لا تغطي التكاليف التشغيلية. هذه المعادلة المالية السلبية تجعل القطاع الخاص مترددًا في الاستثمار ما لم يكن هناك دعم حكومي مباشر أو تشريعات تُحفّز على التدوير.
  • التنوع الكبير في تصاميم الألواح: سوق الألواح الشمسية يضم أنواعًا متعددة (مثل: الخلايا البلورية التقليدية، خلايا CdTe، خلايا CIGS…) وكل نوع يحتوي على مواد مختلفة ويحتاج إلى طريقة تدوير مختلفة. هذا التنوع يجعل من الصعب تطوير خطوط إنتاج معيارية للتدوير، ويزيد من تعقيد عمليات الفرز والمعالجة.
  •  غياب التشريعات الملزمة: في كثير من الدول، لا توجد قوانين تُلزم المصنعين أو المستهلكين بالتخلص الآمن أو تدوير الألواح الشمسية. كما أن قوانين النفايات الإلكترونية في بعض الدول لا تُدرج الألواح الشمسية ضمن نطاقها، مما يترك ثغرات تنظيمية تُعيق تطوير حلول شاملة ومستدامة لإدارة نفايات الطاقة الشمسية.

وفي ظل غياب بنية تحتية متطورة لإعادة التدوير، تبرز حاجة ملحّة لإنشاء مرافق متخصصة تعمل على تفكيك الألواح الشمسية وإعادة استخدام مكوناتها، مما يعزز مبدأ الاقتصاد الدائري ويقلل من التلوث. ولتشجيع هذه المبادرات، يمكن للجهات المعنية مثل وزارة الطاقة ووزارة الاستثمار تقديم برامج تحفيزية ودعم تقني للمستثمرين في تقنيات إعادة التدوير كما ينبغي تطوير معايير و تشريعات واضحة لإدارة النفايات المتعلقة بالطاقة النطيفة وخصوصاً الألواح الشمسية،

ولكن لدينا فرصة سانحة. اتخذت فرنسا أولى الاجراءات الجادة بافتتاح أول مصنع متخصص في إعادة تدوير ألواح الطاقة الشمسية تصل كفاءته في استرجاع المواد الخام كالفضة، النحاس، السيليكون و الزجاج إلى قرابة 99%. إذا تم تعميم هذا النموذج على نطاق واسع في مختلف أنحاء العالم، فبحلول عام 2050، يمكننا:

  • استعادة مواد أولية بقيمة تزيد عن 15 مليار دولار مما يقلل استنزاف الموارد الطبيعية في الإنتاج.
  • إنتاج ملياري لوح شمسي جديد أي إضافة 630 جيجاواط/ساعة من الطاقة النظيفة دون الحاجة إلى أي تعدين و بكلفة أقل.

الخلاصة

رغم الفوائد الاقتصادية والبيئية المتعددة للألواح الشمسية، فإنه من المفيد أن نؤكد اليوم على إعادة النظر في النظام الاقتصادي المتعلق بإعادة تدوير هذه الألواح، حرصا على اعتماد مبادئ الاقتصاد الدائري التي تركز على التصميم المستدام، مما يسهل عملية التفكيك وإعادة التدوير، وأيضا إعداد معايير واضحة تحدد كيفية التعامل مع الألواح الشمسية عند بلوغ نهاية عمرها الافتراضي. خلاصة القول، يعتمد مستقبل الطاقة النظيفة على ما نفعله بالماضي وإذا سألتني، فسأقول إنه ممكن بالتأكيد يمكننا بناء اقتصاد شمسي دائري إذا تحركنا الآن.