تُعدّ أنظمة نقل التيّار المرن (Flexible AC Transmission / FACTS) من التقنيات الرائدة التي ظهرت استجابة لتحديات ضغط الشبكات الكهربائية التقليدية. تعتمد هذه الأنظمة على مكونات إلكترونية من أحدث الأجيال : أجهزة تحويل شبه الموصِّلة، محولات التيار/الجهد الإلكترونيّة، والمركّبات المُنظِّمة مثل المحاثات والمكثّفات… لتحسين استجابة الشبكة في الظروف الديناميكية.
أظهرت دراسات متعددة أن دمج هذه الأجهزة يمكن أن يزيد القدرة النقلية لخطوط التوزيع بنسبة ملموسة، ويُقلّل من مخاطر الأعطال المتسلسلة (cascade failures) من خلال تحسين استقرار الجهد والزاويّة الطورية عند الأحمال القصوى أو عند حدوث أعطال مفاجئة.
مشاكل جودة الطاقة وطرق معالجتها
في أواخر هذا العقد، أصبحت أنظمة الطاقة الكهربائية أكثر تعقيدا في ظل تطور المتطلبات الطاقية للبنيات التحتية في المدن ما ي عدم ضمان استمرارية التشغيل و احتمالية ارتفاع الانقطاعات في الشبكات الكهربائية. من بين المشاكل الشائعة التي نجدها في الشبكة الكهربائية:
-
تقلبات الطاقة الغير النشطة: تؤدي التغيرات في مستوى الطاقة الغير الفعالة إلى اضطرابات كهربائية داخل الشبكة، مما يسبب ارتفاع درجة حرارة المعدات، وانخفاض الجهد في خطوط النقل ذات الكفاءة المنخفضة، بالإضافة إلى هدر كميات كبيرة من الطاقة النشطة.
-
تغير مستويات الجهد: تلك الانخفاضات الحادة في الجهد المعروفة بـ Voltage Sags قد تبدو لحظية، لكنها تترك أثرًا مدمرًا على الصناعات الحساسة كتقليل العمر الافتراضي للمعدات و فقدان قدر كبير من الطاقة. تحدث هذه الظاهرة نتيجة زيادة عالية الطلب الطاقي، مثلا عن طريق تشغيل عدة محركات كهربائية في وقت واحد.
-
الاستجابة العابرة (Transient Response): تشير إلى التقلبات المفاجئة في الجهد الكهربائي. استمرار هذه الظاهرة داخل الشبكة يمكن أن يؤدي إلى فشل المكونات الكهربائية وإتلاف البيانات في الأنظمة الحاسوبية.
-
التوافقية (Harmonics): عبارة عن وجود ترددات مضاعفة تؤدي إلى تشوه الإشارات الكهربائية، خاصة في وجود معدات غير خطية مثل محولات الطاقة… تشكل هذه التوافقيات تحديًا رئيسيًا لكفاءة وسلامة الأنظمة الكهربائية، حيث قد تسبب ارتفاعًا غير مرغوب فيه في درجات الحرارة و ضياع جزء كبير من الطاقة الكهربائية.
لتجاوز هذه المشاكل، تم اعتماد عدة وسائل حماية تقليدية كالمكثفات الثابتة. محولات الجهد، مرشحات التوافقيات السلبية، المكثفات التزامنية… غير أن هذه الأجهزة تعد محدودة، وغير قادرة على مواكبة تغيرات الشبكات الحديثة. مع التطور التكنولوجي، ظهرت حلول متقدمة لمواجهة مشاكل جودة الطاقة أبرزها :
- أنظمة التخزين الطاقي: تستخدم لتخزين الطاقة الزائدة وإطلاقها عند الحاجة، تساهم هذه العملية في تنعيم منحنى الحمل الطاقي وتخفيف التقلبات.
- المرشحات النشطة : تعمل على اكتشاف وإزالة التوافقيات بشكل ديناميكي ما يضمن جودة عالية للقدرة المقدَّمة للأحمال الحساسة.
- أنظمة القدرة غير المنقطعة : توفر هذه الأنظمكة حماية فورية ضد انقطاعات التيار وتقلبات الجهد، مع قدرتها على تنقية و تصفية الطاقة من التشوهات.
- أنظمة الرصد والتحكم الذكية : تسمح بمراقبة جودة الطاقة في الوقت الفعلي واتخاذ إجراءات تصحيحية فورية.
ماهي أنظمة FASTS؟
أنظمة نقل التيار المرن (FACTS) هي مجموعة من التقنيات القائمة على الإلكترونيات الطاقية والمصممة للتحكم في واحد أو أكثر من معاملات نظام نقل التيار المتردد مثل الجهد والممانعة وزاوية الطور. تتميز هذه التكنولوجيات بمرونتها العالية وقدرتها على الاستجابة السريعة للتغيرات في ظروف الشبكة، حيث تستعين بإلكترونيات طاقية متقدمة مثل الثايرستور (Thyristor) والثرانزستور ثنائي القطب معزول البوابة (IGBT) للتحكم في تدفق الطاقة و حقنها في أسرع وقت ممكن حسب المتطلبات. تقوم هذه الأنظمة بوظائف أساسية منها :
- التحكم في تدفق الطاقة النشطة و الغير الفعالة في الشبكة عبر خطوط نقل الكهرباء لاستغلال افضل للبنية التحتية.
- التعامل مع الاضطربات المختلفة من خلال التحكم في معاملات النظم الكهربائية.
- تنظيم و تعديل الجهد من خلال توفير الطاقة او امتصاصها حسب الحاجة.
- زيادة سعة النقل في خطوط التوزيع الكهربائية دون الحاجة الى بناء نقاط توزيع جديدة.
تنقسم أجهزة نقل التيار المرن الى عدة أنواع رئيسية، منها :
- أجهزة التعويض الموازية (Parallel) : أكثرها تداولا هو جهاز (STATCOM) الذي يتكون من محوِّل كهربائي مع مكثِّفات تتميز باستجابة سريعة لتقلبات الشبكة الكهربائية. كما يمكن للجهازو أن يعمل كمَصدر أو مستهلِك للطاقة الغير الفعالة. يعتمد هذا الجهاز في دعم الجهد في المناطق ذات الكثافة السكانية و الأحمال المتغيرة من أجل تثبيت الجهد في نهايات خطوط النقل الطويلة.
- أجهزة التعويض المتوالية (Series) : تعتمد هذه الأجهزة بشكل عام على حقن جهد متحَكَّم فيه لتعديل مستوى ودرجة التعويض في خطوط توزيع الكهرباء و التحكم في تدفق الطاقة. نُشِرت دراسة سنة 2024 في مجلة Energies حول إدماج أجهزة (SCC) مع أنظمة تخزين الطاقة ضمن خطة توسعة النقل للنظم.
- أجهزة التحكم المركبة : تجمع بين خصائص الأجهزة الموازية و المتوالية في جهاز واحد يتيح التحكم الشامل في الجهد و زاوية الطور. على سبيل المثال،يستعمَل جهاز UPFC في إعادة تحويل تدفق الطاقة بين مسارات توزيع متوازية لتخفيف الضعط على الشبكة، و زيادة سعة النقل في الممرات المحدودة.

دور أجهزة نقل التيار المرن في ثبات أنظمة الطاقة المتجددة
مع التوسع المتزايد في تبني مصادر الطاقة المتجددة، تواجه شبكات الطاقة تحديات جديدة كطبيعتها المتقطعة حسب الظروف الجوية، مما يَحدُّ من مردودية الإنتاج الطاقي لهذه المصادر.
تعتبر الطاقة الريحية أكثر مصدر متذبذب للطاقة المتجددة. حيث أن إدماجها مع الشبكة الكهربائية الرئيسية يتنج عنه ادخال مستويات عالية من الجهد الغير المتوازن الذي يؤثر على كفاءة توزيع الطاقة في خطوط الكهرباء. تم اعتماد على محركات كهربائية مخصصة لامتصاص الطاقة الغير الفعالة عوض توفيرها للحفاط على استقرار الجهد لتجاوز هذه التأثيرات. لكن الامر يصبح أكثر صعوبة حين تستغل طاقة الرياح في إنتاج الطاقة بشكل كبير، لذا تم تصميم أجهزة نقل التيار المرن من أجل :
- تخفيف التذبذبات الناتجة عن تغير سرعة الرياح.
- الحفاظ على استمرارية العمل أثناء الاضطرابات.
- تحسين استقرار الجهد في نقطة الاتصال بالشبكة.

يُعد التذبذب السريع في إنتاج الطاقة الشمسية تحديًا رئيسيًا يعيق استقرار وكفاءة هذا المصدر المتجدد. فعند مرور السحب، تنخفض كمية الإشعاع الشمسي الواصلة إلى الألواح و يحدث انخفاض فوري في الإنتاج الكهربائي. إذا لم تكن الشبكة الكهربائية مجهزة بأنظمة استجابة سريعة، فقد يؤدي هذا التذبذب إلى زيادة الضغط على أنظمة التوليد التقليدية التي تعمل على تعويض النقص في الطاقة. تقوم أجهزة نقل التيار المرن بتعزيز حدود توزيع الطاقة الشمسية أثناء النهار و الليل، و الحفاظ على اتصال الشبكة في حال حدوث أي عطل مفاجئ.
- عند توصيل محطات الطاقة الشمسية بالشبكة، تتطلب الطاقة المنتجَة توزيعًا متوازنًا عبر خطوط النقل المختلفة. الأمر الذي يتطلب إعادة توجيه تدفق الطاقة في الشبكة لتحقيق أفضل توزيع للحمل وتقليل الفقد الكهربائي، تقوم أنظمة نقل التيار المرن بتمكين النقل السلس للطاقة بين عدة مناطق دون الحاجة إلى توسعة البنية التحتية للنقل و خلق توازن بين التوليد والاستهلاك في أوقات ذروة إنتاج الطاقة الشمسية وانخفاضها.
-
في أوقات الظهيرة، قد تتجاوز الطاقة المنتجَة من الألواح الشمسية احتياجات الاستهلاك المحلي، مما يؤدي إلى ضغط زائد على الشبكة. من خلال دمج FACTS مع أنظمة التخزين مثل البطاريات، يمكن تخزين الفائض الطاقي وإعادة استخدامه في أوقات الحاجة. تقلِّل هذه العملية الحاجة إلى تقليص إنتاج محطات الطاقة الشمسية، مما يحسِّن العائد الاستثماري لهذه المحطات.
التحديات و أحدث الأبحاث
نظرًا للتكلفة العالية لأنظمة نقل التيار المرن (FACTS)، تقوم الشركات المختصَّة بدمجها في الشبكات الكهربائية التقليدية بواسطة أقل عدد ممكن من الوحدات من أجل تحقيق أعلى عائد استثمار. لذا، يُعَّد تحديد التموضع الأفضل لهذه الأجهزة واختيار السعة المناسبة أمرًا ضروريًا لتعظيم الفوائد التشغيلية والاقتصادية لهذه التقنية.
تركزت الأبحاث الحديثة على تطوير استراتيجيات مبتكرة لتحديد مواضع أجهزة FACTS حسب طبيعة الشبكة الكهربائية :
-
الطرق التحليلية: تعتمد على النماذج الرياضية لحساب المواضع المناسبة بناءً على معايير مثل تقليل الفقد الكهربائي وتحسين استقرار الجهد.
-
الطرق الحوسبية الرقمية: تستخدم الخوارزميات الذكية والنماذج الإحصائية لاكتشاف أفضل موقع ومعاملات ضبط الجهاز داخل الشبكة بهدف تعزيز موثوقية واستقرار النظام الكهربائي.
-
الطرق الهجينة: تدمج بين الطرق التحليلية والحوسبية الرقمية للحصول على حلول أكثر دقة وفعالية، مما يساهم في تحسين أداء الشبكة الكهربائية بأفضل تكلفة ممكنة.
خلاصة القول:
تُسهم تقنيات نقل التيار المرن، وتحسين توزيع الأجهزة، وتطوير المحولات العكسية في مواجهة التحديات التشغيلية وضمان استقرار النظام الكهربائي. من خلال اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي والتخزين الطاقي، يمكن تحقيق توازن أفضل بين الإنتاج والاستهلاك الطاقي، مما يعزز من دور الطاقة المتجددة في المستقبل.

