في عام 2015، نفذت مجموعة من القراصنة هجومًا سيبرانيًا معقدًا على أنظمة التحكم الصناعي في منشأة طاقة بأوكرانيا، مستخدِمة رسائل إلكترونية مفخخة تحتوي على برمجيات خبيثة. أدت هذا الإختراق إلى انقطاع التيار الكهربائي عن أكثر من 230 ألف مسكن لمدة تجاوزت ست ساعات. ركَّز المهاجمون على تعطيل أنظمة الحماية، وتنفيذ هجمات رفض الخدمة (DoS) على خطوط الدعم الفني، ما جعل الفرق التقنية تضطَّر إلى استعادة الطاقة يدويًا وسط ظروف صعبة.
سنستعرض التحديات الأمنية التي تواجهها الأنظمة المدمجة، و سوف نناقش الاستراتيجيات الحديثة لحمايتها في البيئات الحيوية.
ماهي الأنظمة المدمجة ؟
النظام المدمج عبارة عن دارة الكترونية مبرمجة لأداء مهام محددة و محدودة. تتكون غالبا من معالج صغير، مستشعرات و مكونات إلكترونية تمكنها من التفاعل مع المحيط و اتخاد قرارات فورية و دقيقة. على عكس الأجهزة الإلكترونية الاعتيادية التي تتشكل فقط من مكونات تقليدية مثل المكثفات، المقاومات و مضخمات الإشارة.
في ظل الاعتماد المتزايد على الأنظمة الإلكترونية المدمجة في البنى التحتية الحيوية مثل شبكات الكهرباء، محطات النقل، وأنظمة الحماية الصناعية. تشكِّل حماية هذه الأنظمة دورًا حاسمًا في ضمان توفر الخدمة (Availability) والجاهزية التشغيلية (Operational Readiness). فتعرضها لهجمات سيبرانية متكررة أو معقدة قد لا يؤدي فقط إلى خسائر مادية، بل يزعزع أيضًا ثقة المستخدمين في قدرة الحكومات أو الشركات على توفير خدمات موثوقة ومستقرة.
أنواع التهديدات الأمنية التي تواجه الأنظمة المدمجة

يتم تعريف الهجمات السيبرانية بكونها مختلف المحاولات لاستحواذ أو إخلال بالعمليات الحساسات في المنشئات و الإضرار في الأنظمة الرقمية للبنيات التحتية عالية الحساسية. تتعدد هذه الهجمات على حسب الثغرات المكتشفة في النظام:
- الهجمات الفيزيائية : العديد من الأنظمة المدمجة خصوصا في بيئة الطاقة و التحكم الصناعي تعتمد على بروتوكولات غير مشفرة لا تدعم التحقق من الهوية أو التشفير، مما يتيح المخترقين بتنفيذ هجمات مثل التصنت أو تزوير الأوامر للتلاعب بالنظام.
- الهندسة العكسية : في حال ظل عدم توفر أليات أمان قوية في معظم الأجهزة المدمجة كالتشفير أو منع الوصول المباشر للذاكرة، توجد امكانية عكس برمجة النظام للاستحواذ على الكود البرمجي و استبداله بنسخة معدلة و متحكم فيها.
- البرمجيات الخبيثة والتلاعب بالبرمجيات الصلبة : يتم تثبيت برمجيات تخترق الجهاز الإلكتروني و تعبث بعملياته حيث يتم إيقاف تشغيله أو التلاعب به لأهداف خبيثة.
- الهجمات عبر الشبكات : في غالب الأحيان، تعتمد الأنظمة المدمجة على واجهات اتصال رقمية مثل Wi-Fi Ethernet أو UART التي تكون معرضَّة لهجمات مختلفة عبر الشبكة كالحقن البرمجي، الوصول غير المصرح به إلى الذاكرة أو اختراق المنافذ البرمجية…
استراتيجيات الحماية المعتمدة في الأنظمة المدمجة

رغم الإمكانات العالية للأنظمة المدمجة، إلا أن تعقيدها وقابلية الاتصال فيها تجعلها أكثر عُرْضة للهجمات السيبرانية مقارنة بالأنظمة التقليدية التي تكُون غالبًا معزولة عن الشبكات ولا تعتمد على البرمجيات الحوسبية. لذلك، من الضروري تبني نهج شامل للحماية، من خلال الاعتماد على أحد التقنيات المتداولة لتعزيز أمن هذه الأنظمة.
- الإقلاع الآمن : تعد واحدة من الأليات المعتمدة لضمان موثوقية البرنامج الثابت أو نظام التشغيل الذي يتم تحميله عند بدء تشغيل النظام المدمج. حيث يتم التحقق من توقيع رقمي باستخدام مفاتيح تشفير قبل السماح للنظام بالقيام بعملياته الأساسية.
- التشفير لحماية البيانات والبرمجيات: يتم هذه العملية عن طريق استخدام خوارزميات تشفير معيارية مثل “AES-256″ لحماية البيانات أثناء الإرسال و التخزين مع توليد مفاتيح فريدة لكل جهاز لمنع الاستنساخ أو التزوير.
- المصادقة والتحقق من الهوية: يتم فرض مصادقة ثنائية تعتمد على مفاتيح مشفّرة أو شهادات رقمية لحصر صلاحيات الوصول إلى الموارد الحيوية و منع تنفيد التعليمات غير المصرح بها.
- العزل الوظيفي : أي تصميم النظام بطريقة تفصل المهام أو الوحدات ذات الأهمية الأمنية أو التشغيلية العالية كوحدات التحكم في العمليات الحيوية، أو أنظمة الحماية عن الوظائف الثانوية أو غير الحيوية (مثل واجهات المستخدم) عن طريق اعتماد معالجات خاصة أو اعتماد أنظمة تشغيل تدعم العزل.
- تأمين الاتصال بين الأجهزة عبر بروتوكولات مشفّرة: باستبدال البروتوكولات المكشوفة مثل Modbus ببدائل مؤمنة ك MQTT أو TLS لضمان أن جميع البيانات بين المستشعرات و وحدات التحكم تمر عبر قناة مشفرة و أمنة.
- الكشف عن محاولات العبث الفيزيائي: يتم إدماج خوارزميات خاصة في البرنامج لرصد الأنماط غير الطبيعية و إرسال تنبيهات في حال اكتشاف أنشطة مشبوهة في النظام.
رغم أن مفاهيم أمن الأنظمة المدمجة غالبًا ما تُعرض بشكل نظري، إلا أن الفاعلية الحقيقية تظهر عند تحويل تلك الاستراتيجيات إلى حلول عملية ميدانية، تُطبّق ضمن بيئات تشغيلية ذات متطلبات صارمة وموارد محدودة.
هنالك العديد من الدراسات التطبيقية والنماذج الواقعية التي توضح كيف تُترجَم مبادئ الإقلاع الآمن، التشفير، المصادقة، والعزل الوظيفي إلى مكوِّنات دفاعية فعالة داخل الأنظمة المدمجة.
- حماية أنظمة البطاريات في السيارات الكهربائية: تقوم هذه الاحهزة بمراقبة حالة خلايا البطارية و مدى توازن الشحن والتفريغ. لتجنب تجاوز حدود الجهد القصوى في البطاريات نتيجة تلقي البرنامج لأوامر غير طبيعية، يتم إدماج بعض التدابير في النظام كفصل المهام الحساسة بحيث يتم اتخاد القرارات في نواة معالجة خاصة، و تخصيص بقية المعالجات لتنفيد المهام الأخرى، وأيضا السماح بتنفيذ الأوامر الحيوية بمصادقة تعتمد على مفاتيح مشفّرة أو شهادات رقمية.
- حماية وحدات التحكم : تعتمد محولات الطاقة على أنظمة ضبط التردد و الجهد لضمان كفاءة توزيع الكهرباء. تواجد احتمالية التلاعب بالبرنامج بشكل غير مصرح به يعرض الشبكة للتوقف و التلف، لتفادي هذه السيناريوهات، يتم الاستعانة بتقنيات حماية كالإقلاع الأمن لمنع تشغيل أي كود غير موثوق و الحماية الفيزيائية كتعطيل واجهات البرمجة بشكل نهائي كمنافذ البرمجة JTAG/UART.
التحديات الكبرى و الاتجاهات المستقبلية
رغم تعدد التقنيات و طرق حماية الأنظمة المدمجة، إلا أنه هناك تحديات بنيوية وتطبيقية ناتجة عن طبيعة هذه الأنظمة وبيئة تشغيلها الحرجة من بينها:
- صعوبة تنفيذ التحديثات الأمنية في الانظمة العتيقة : في قطاع الطاقة و الصناعة، تثبت غالبية الأنظمة المدمجة للغمل لعقود دون تغيير، حيت تكون تحديثها معقدا أو غير ممكن دون توقف الخدمة. فمع مرور الوقت تصبح هذه الأنظمة عرضة لهجمات كون تراكم الثغرات الأمنية متداولة علنا على مدار الزمن.
- التكاليف المضافة لتطبيق حلول أمنية قوية : إن بناء نظام مدمج بمستويات حماية عالية يترتب عنه تكاليف مضافة على عدة طبقات من ناحية الموارد و الوقت. على مستوى العتاد، يشكل إضافة شرائح أمان ومعالجة مخصصة لتخزين ملفات التشفير إضافة كبيرة في ميزانية التطوير مع تكاليف تطوير برامج التشفير والاتصال الأمن. بالإضافة إلى ذلك، توجد تكاليف غير مرئية كالصيانة الدورية للنظام و اعداد بنية تحتية للتحذيثات الامنية الدورية قد تصل الى ربع الميزانية الأولية للتطوير.
- نقص الخبرات المتخصصة: يواجه العديد من فرق التطوير تحديًا حقيقيًا يتمثل في محدودية الإلمام بالجوانب السيبرانية الخاصة بالأنظمة المدمجة. فغالبًا ما يُنظر إلى الأمن كمكوّن إضافي يُدمج في المراحل الأخيرة من دورة التطوير، بدلًا من اعتباره جزءًا أساسيًا من التصميم الهندسي منذ البداية، ما يؤدي إلى حلول جزئية وضعيفة القابلية للصمود أمام التهديدات المتقدمة.

من المتوقع أن يتطور دور الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي بشكل كبير في تعزيز الكشف عن التهديدات الأمنية، خصوصًا في شبكات الطاقة الذكية وأنظمة السيارات الكهربائية. يتيج تطور تقنيات متقدمة كالكشف السلوكي المعزز، التعلم الغميق، والذكاء الاصطناعي التفسيري من استشعار التهديدات بشكل أكثر دقة واستجابة تلقائية فورية مع تقليل الأخطاء الكاذبة.
من زاوية أخرى، انتشر مفهوم “الأمن منذ التصميم” بشكل تدريجي بين المطورين ليشمل تحليلا شاملا للنظام المدمج، و تقليل الاعتماد على الموارد والواجهات المكشوفة من أجل مقاومة الهجمات السيبيرانية مثل هجمات سلسلة التوريد والاختراقات عبر الواجهات اللاسلكية.
إضافة على ذلك، بروز استراتيجات حماية جديدة ك “Zero Trust”، الذي يقوم على مبدأ “عدم الثقة بأي مكون أو اتصال حتى يتم التحقق منه”، بالإضافة إلى استراتيجية “الدفاع متعدد الطبقات (Defense in Depth)”، التي تعتمد على توزيع الحماية عبر عدة طبقات تشمل العتاد، النظام، الاتصال، والبيئة الفيزيائية.
هذه الاتجاهات تعكس تغيرًا في فلسفة الحماية، من مجرد رد فعل إلى هندسة أمنية استباقية، مما يجعل المهندس المعاصر مطالبًا بفهم تقني وأمني متكامل.
خاتمة
لا يمكن التعامل مع الأمن السيبراني كميزة إضافية أو قرار لاحق لما بعد التصميم. بل يجب اعتباره أحد الأعمدة الأساسية للهندسة الحديثة. الأنظمة التي تُبنى دون اعتبار جدي للمخاطر الرقمية تُصبح مع الزمن أهدافًا سهلة لهجمات قد تُهدد السلامة البشرية، وتُكبد خسائر اقتصادية جسيمة. من هنا، يتعين على المهندس المعاصر أن يوازن بين متطلبات الزمن الحقيقي، كفاءة الطاقة، وقيود الموارد، وبين الدفاع ضد تهديدات سيبرانية متطورة ومتغيرة باستمرار.

